مما أذكره من وقائع تلك المدة من الزمن (1975): أني تلقيت رسالة من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، علَّامة الجزيرة العربية، والمفتي العام للمملكة العربية السعودية، خلاصتها: أن وزارة الإعلام طلبت رأيه في كتابي: «الحلال والحرام في الإسلام»؛ لأن بعض الناشرين طلبوا من الوزارة أن «تفسح» له، وكلمة «الفسح» غدت مصطلحًا معروفًا في المملكة، يقصد به: الإذن بنشر الكتاب ودخوله في السعودية.

وكان الشيخ صالح الفوزان من شباب علماء المملكة قد أثار ضجة بما كتبه في الصحف، وأصدره في كتاب سمَّاه: «الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام»، وهو يمثل وجهة النظر السلفية في المسائل الخلافية المعروفة من قديم، مثل: تغطية وجه المرأة، هل هو واجب أم لا؟ وحكم خروج المرأة للتعلم والعمل، وحكم الغناء بآلة وبغير آلة، وحكم التصوير الزيتي والضوئي، وغير ذلك، مما تتفاوت فيه فتاوى المفتين بين ميسِّر ومعسِّر، وبين من يميل إلى الظاهر، ومن يرجح الالتفات إلى المقاصد.

فلا غرو أن ذكر الشيخ ابن باز بأدب العالِم الكبير، ورفق الداعية البصير: أنه يريد أن يفسح للكتاب، وأن يشترى كمية كبيرة منه لتوزيعه، لما فيه من نفع للمسلمين، لسلاسته وجمال أسلوبه، وأخذه بمنهج التيسير، ولكن المشايخ في المملكة خالفوه في ثماني مسائل.

وسرد الشيخ رحمه الله هذه المسائل الثمان، ومنها: ما يتعلق بزي المرأة وعملها، وما يتعلق بالغناء والسماع، وما يتعلق بالتصوير، وما يتعلق بالتدخين، وأني لم أحسم الرأي فيه بالتحريم، وكذلك لعب الشطرنج، وما يتعلق بمودة غير المسلم...إلخ. والشيخ يؤيد تحريم هذه الأمور كلها.

وقال الشيخ رحمه الله: وإن كتبك لها وزنها وثقلها في العالَم الإسلامي، وقبولها العام عند الناس، ولذا نتمنَّى لو تُراجع هذه المسائل، لتحظى بالقبول الإجماعي عند المسلمين.

والواقع: أني ظللت محتفظًا بهذه الرسالة سنين طويلة، ثم اختفت مني، ويبدو أنها غرقت في بحر الأوراق الخضم الذي عندي، والذي قل أن ينجو ما غرق فيه!(1)

هذا، وقد رددتُ تحية الشيخ بأحسن منها، وكتبتُ له رسالة رقيقة، تحمل كل مودة وتقدير للشيخ، وقلت له: لو كان من حق الإنسان أن يدين الله بغير ما أداه إليه اجتهاده، ويتنازل عنه لخاطر من يحب؛ لكان سماحتكم أول من أتنازل له عن رأيي، لما أكنُّ لكم من حب وإعزاز واحترام، ولكن جرت سنة الله في الناس أن يختلفوا، وأوسع الله لنا أن نختلف في فروع الدين، ما دام اختلافًا في إطار الأصول الشرعية، والقواعد المرعية. وقد اختلف الصحابة والتابعون والأئمة الكبار، فما ضرهم ذلك شيئًا، اختلفت آراؤهم، ولم تختلف قلوبهم، وصلى بعضهم وراء بعض.

والمسائل التي ذكرتموها سماحتكم، منها: ما كان الخلاف فيها قديمًا، وسيظل الناس يختلفون فيها، ومحاولة رفع الخلاف في هذه القضايا غير ممكن، وقد بيَّن العلماء أسباب الاختلاف وألَّفوا فيها كتبًا، لعل من أشهرها كتاب شيخ الإسلام: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام».

ومِن هذه المسائل: ما لم يُفهم موقفي فيها جيدًا مثل: موضوع التدخين، فأنا من المشدِّدين فيه، وقد رجَّحت تحريمه في الكتاب بوضوح، إنما وهم من وهم في ذلك؛ لأني قلت في حكم زراعته: حكم الزراعة مبني على حكم التدخين، فمن حرم تناوله حرم زراعته، ومن كره تناوله كره زراعته. وهذا ليس تراجعًا عن التحريم.

وأما مودة الكافر، فأنا لا أبيح موادة كل كافر، فالكافر المحارب والمعادي للإسلام وللمسلمين لا مودة له، وفي هذا قوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (المجادلة:22). ومحادة الله ورسوله ليست مجرد الكفر، ولكنها المشاقَّة والمعاداة.

وتعلم سماحتكم أن الإسلام أجاز للمسلم أن يتزوج كتابية، كما في سورة المائدة: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} (المائدة:5)، فهل يحرم على الزوج أن يودَّ زوجته، والله تعالى يقول: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم:21)؟ وهل يحرم على الابن أن يود أمه الكتابية؟ أو يود جده وجدته، وخاله وخالته، وأولاد أخواله وخالاته؟ وكلهم تجب لهم صلة الرحم، وحقوق أولي القربى.

على كل حال، أرجو من فضيلتكم ألَّا يكون الاختلاف في بعض المسائل الاجتهادية الفرعية حائلًا دون الفسح للكتاب، وها هو ذا الشيخ الألباني يخالفكم في قضية حجاب المرأة المسلمة، فهل تمنعون كتبه؟

وختمت الكتاب بالتحية والدعاء... وأعتقد أن الشيخ استجاب لما فيه، وفسح لكتاب: «الحلال والحرام» ولغيره من كتبي، والحمد لله.(2)

مسابقة القرآن الكريم للمدارس:

ذكرت فيما سبق: أن من السنن الحميدة التي سنتها وزارة التربية والتعليم في قطر -باقتراح من فضيلة الشيخ عبد الله بن تركي، رئيس تفتيش العلوم الشرعية- إقامة مسابقة في حفظ القرآن وتلاوته، مفتوحة لجميع الطلاب والطالبات في جميع مدارس قطر بالدوحة، وغيرها من مناطق قطر.

وكان الفائزون الأوائل الثلاثة من كل فصل يأخذون جوائز نقدية تشجيعية، وكانت المدارس تتنافس في ذلك، كما يتنافس الأبناء والبنات، في حفظ كتاب الله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين:26). وقد أدَّى ذلك إلى تسابق كثير من الطلاب والطالبات في حفظ القرآن، وأن تجد البيوت قُبيل الامتحان مشغولة بالقرآن.

كما فتحت الوزارة جزاها الله خيرًا باب التسابق للطلاب ولغير الطلاب في حفظ القرآن كله، أو نصفه، أو أجزاء منه، ويُعطى الحافظ جائزة قيمة على قوة حفظه وحسن تلاوته.

وكانت بناتي: إلهام وسهام وعلا ثم أسماء بعد: يدخلن كل عام هذه المسابقة ويفزن فيها، ويحصلن على جائزتها.

بل دخلت إلهام هذه المسابقة في الأجزاء الخمسة الأخيرة، ونجحت فيها، وحصلت على جائزتها، ودخلت سهام في ثلاثة أجزاء، وأسماء في جزأين.

عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة:

وفي شهر ذي القعدة من سنة «1395هـ - 1975م» وصلتني رسالة من فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن حمد العباد، نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة هذا نصها:

فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، الأستاذ بكلية التربية – قطر، حفظه الله، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

يسرني أن أبلغ فضيلتكم أنه صدر الأمر الملكي رقم «أ/233» في «29/9/1395هـ» بتعيينكم عضوًا بالمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، لمدة ثلاث سنوات طبقًا للمادة «13» من نظام الجامعة.

وأبعث مع كتابي هذا إليكم بصورة من الأمر السامي المشار إليه، ومن نظام الجامعة، وتوزيع الاختصاصات والصلاحيات التي وردت به.

وسوف نخطركم بموعد الدورة الأولى لانعقاد المجلس الأعلى في وقت لاحق إن شاء الله، نأمل أن يكون قريبًا.

وإني لأسأل الله تبارك وتعالى أن يعينكم ويسدد خطاكم، وأن يوفقنا جميعًا لخدمة هذه الجامعة والنهوض برسالتها السامية رسالة الإسلاة الخالدة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نائب رئيس الجامعة الإسلامية

عبد المحسن بن حمد العباد

ومع الخطاب الأمر الملكي الصادر من الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود بتعيين ثلاثة عشر عضوًا، بعضهم بشخصه، مثل: الشيخ الندوي، والشيخ الغزالي، والشيخ الألباني، والشيخ ابن الخوجة، والشيخ غوشة، ود. كامل الباقر، والشيخ صالح الحصين، ود. أحمد الكبيسي، والفقير إليه تعالى، وبعضهم لوصفه، مثل: مدير جامعة الأزهر، ومدير جامعة الرياض، ومدير جامعة الملك عبد العزيز.

وكان يمثل هذه الجامعات في هذه الدورة: الشيخ محمد فايد، عن جامعة الأزهر، والدكتور عبد العزيز الفدا، عن جامعة الرياض، ود. محمد عمر زبير، عن جامعة الملك عبد العزيز.

وكان رئيس المجلس الأعلى هو الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد والنائب الأول لرئيس الوزراء. وقد التقينا به أكثر من مرة في المجلس. ونائب الرئيس هو سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية.

وقد سعدت بعضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية خلال هذه الدورة، للعمل مع الإخوة الأعضاء، وكلهم خيار من خيار، وخصوصًا أننا نجتمع في رحاب مسجد الحبيب المصطفى وقبره عليه الصلاة والسلام، ونعمل في خدمة جامعة أنشئت للمسلمين في كل مكان، فكان فيها طلاب من ثمانين جنسية.

وقد رأس مجلسنا الأمير فهد بن عبد العزيز أكثر من مرة، على الأقل يحضر جلسة الافتتاح، ثم ينيب عنه نائبه الشيخ ابن باز رحمه الله.

.....

(1) الحمد لله، لقد وجدتُ هذه الرسالة أخيرًا في هذا البحر، وأنا أنقل أغراضي إلى بيتي الجديد، وسيراها القارئ منشورة بنصها في الملاحق إن شاء الله.

(2) عثرت على رسالتي إلى سماحة الشيخ ابن باز، وسأنشرها بنصها في ملاحق هذا الجزء.