كانت قريتنا قرية كبيرة نسبيا، فقد كان سكانها -وأنا صبي- أكثر من عشرين ألفا، وكان فيها أربعة كتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم؛ اثنان في وسط البلد، حيث منزلنا وحارتنا، وواحد في الشرق، وآخر في الغرب. كانت الكتاتيب تنسب إلى معلميها، وهم في الواقع أصحابها ومُلاكها. وهي في العادة ملاصقة لبيوتهم أو هي جزء منها.

وفي منطقتنا كان كتاب الشيخ "يماني مراد"، وكتاب الشيخ "حامد أبو زويل". وقد ذهبت أول ما ذهبت إلى كتاب الشيخ يماني بإغراء من أحد أقاربنا الذي كان من تلاميذ هذا الكتاب. ولكني انتسبت إليه يوما واحدا فقط، ولم أعد إليه بعد ذلك؛ وذلك لأن الشيخ يماني ضرب التلاميذ جميعا (لتنشيطهم) وكنت بالطبع من المضروبين. فعز عليّ أن أُضرب ظلما وبلا سبب، وفي أول قدومي، ورفضت أن أعود إلى هذا الكتاب مرة أخرى.

ويبدو أن كراهية الظلم والنفور منه، والثورة على مرتكبيه -ولو كان ظلما صغيرا- خصلة قديمة عندي، أو هي فطرة فطرني الله عليها، فلا أحب أن أَظْلِم أو أُظْلَم، وقد تعلمت بعد ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستعيذ بالله أن يَظْلِم أو يُظْلَم، أو يَجهل أو يُجهل عليه.

وهذا الظلم الذي وقع علي جعلني أنقطع عن الذهاب إلى أي كتاب مدة من الزمن، حتى حرضتني والدتي -رحمها الله- على الذهاب إلى كتاب الشيخ حامد، وهو جار لبيت جدي (والد أمي) وأنها ستوصيه بي خيرا، وستوصي والدته -خالتي رَيَّا- بي أيضا، وكانت أمي حريصة كل الحرص على أن أتعلم. وبالفعل أخذت بيدي في زيارتها لبيت أبيها وسلمتني إلى الشيخ حامد، وقالت له: هو أمانة عندك.. قال لها: إنه ابننا، وهو في أعيننا.


وفعلا استقبلني الشيخ حامد -رحمه الله- استقبالا حسنا، وكنت محظيا عنده وعند والدته -رحمها الله-، وقد لاحظ الشيخ حامد أني تلميذ مجتهد؛ فقد لاحظ سرعة حفظي، وسلامة نطقي، كما لاحظ أني أول صبي يحضر إلى الكتاب، أذهب مبكرا وأدق الباب على خالتي ريا، وآخذ مفتاح الكتاب، أو تفتحه هي لي، وتحذرني من (البراغيث) فقد كانت أرضية الكتاب من التراب، كأكثر منازل قريتنا، والكتاب جزء منها، وكان أول من يذهب إلى الكتاب تصطاده البراغيث وتتجمع عليه، وهذا ما كان يحدث لي كل يوم، ولا ينجيني منها إلا القعود على (الدِّكَّة) متربعا.. حتى يأتي بقية الصبيان، ويأخذوا حظهم بالاشتراك والمساواة من "قَرْص" البراغيث. وهذه البراغيث سهلت علي فهم قاعدة في النحو عرفتها بعد ذلك، وهي نجري على لغة من لغات العرب، ويسمونها لغة "أكلوني البراغيث"!

كان الكتاب بمثابة مدرسة خاصة، ولكن رسومه وأجوره كانت زهيدة بسيطة؛ فهو يأخذ نصف قرش في يوم الأربعاء من كل أسبوع؛ وذلك لأن الأربعاء يوم سوق القرية، ومع هذا كان نصف القرش هذا ثقيلا على بعض الناس، وأنا منهم. ولكن الشيخ حامد كان يتسامح معي إذا لم أجد نصف القرش؛ لأمرين: لأنه يعرف أني يتيم، والثاني: لنجابتي بين تلاميذه. وكان هذا من فضل الشيخ حامد ومكارم أخلاقه، حتى إنه أصبح يأخذ مني نصف القرش كل أسبوعين.


ومن فضل الشيخ حامد علي أنه لم يضربني قط، رغم أنه كان يضرب كثيرا من أبناء الكتاب، وأنا في الحقيقة لا أحب أن أُضْرَب ويعز علي أن أُضرب. وأذكر أن الشيخ حامد مَدَّني مرة في (الفَلَكة) ليضربني، ولكن نجاني الله من الضرب. ولم يكن الضرب بسبب تقصير في واجبي الكُتَّابي اليومي، بل سبب آخر. فقد كانت أمي، ككثير من الأمهات والآباء الذين يخافون على أبنائهم من الغرق إذا ذهبوا للاستحمام في ترعة القرية، أو قنواتها الصغيرة، وخصوصا يوم الجمعة، فكان الشيخ حامد يُعَلِّم على أفخاذنا بالقلم (الكوبْيَة)، وفي يوم السبت يكشف علينا، فإذا وجد العلامة باقية فبها ونعمت، وإذا وجدها زالت، كان ذلك دليلا على أننا ذهبنا إلى الترعة.

وهذا ما حدث في هذه المرة واستحققت العقاب، ولكن قريبة لأمي كانت تسكن بجوار الكتاب، ومرت في ذلك الوقت وشفعت لي، فنجدتني من الضرب، ولا أدري هل كان مرورها مصادفة أو كان ذلك بتدبير حتى لا أضرب؟ يبدو أن الاحتمال الأخير هو الأقرب. وربما كان هذا التدبير من والدتي -رحمها الله- بالاتفاق مع الشيخ حامد.
كان الشيخ حامد من حفاظ القرآن المحترمين، عزيز النفس، محتفظا بكرامته، كان جل حفظة القرآن يقرءون في أيام "الأخمسة" على المقابر بأجرة زهيدة يدفعها أهل الموتى، كثيرا ما تكون بعض المأكولات، ولكن الشيخ حامدا نزَّه نفسه عن ذلك.

وكان رجلا بسيطا نظيفا أنيقا، يلبس جلبابا وعمامة، ويصلي الصلوات الخمس في المسجد، وهو قريب من البيت والكتاب، وكثيرا ما يؤم الناس إذا تغيب الإمام الراتب.
كان عملنا في الكتاب: حفظ فقرة مناسبة من القرآن الكريم. هذه الفقرة نكتبها بأيدينا في لوح مدهون بالزيت، بحيث يصلح للكتابة بالحبر. وكنا نشتري الحبر من الصباغين في القرية؛ حيث كان الفلاحون يلبسون الجلاليب الزرقاء، وهي في الأصل بيضاء صُبغت باللون الأزرق عند الصباغ. وكذلك تلبس المرأة (المَلَس) وهو من الحرير الأبيض، ثم يُصبغ باللون الأسود.

كنا نشتري الحبر منهم ونضعه في (الدواة) أو (المحبرة)، ونأتي بأقلام البوص ونبريها، وأحيانا يبريها لنا الشيخ حامد نفسه. ونكتب كل يوم القدر المطلوب حفظه، ونصححه على الشيخ قبل أن نحفظه، ثم نحفظه في المنزل بعد عودتنا من الكتاب، وفي اليوم الثاني (نُسمِّعه) على العريف. فمن لم يكن حفظه جيدًّا، رُدَّ ليجود حفظه. ثم إذا سمَّعنا المحفوظ اليومي، راجعنا ما حفظنا من قبل، ويُسمى (الماضي).
وكنا نتعلم القراءة والكتابة بالمحاكاة؛ يتعلم بعضنا من بعض، ولم تكن في الكتاب طريقة منهجية للتعليم، وإن كان الشيخ حامد يستعمل السبورة أحيانا أو يكتب بعض الكلمات، ويطلب من التلاميذ أن يحاكوها، ويكتبوها في اللوح عدة مرات، حتى يتعلموا الكتابة.

وكنا نردد كل يوم كلمات كالببغاوات، نلقنها بطريقة ملحنة بطريقة الأناشيد ولا نفهم لها معنى. نقول بصوت جماعي: با: با ألف، بي: با يي، بو: با واو. تا: تا ألف، تي: تا يي، تو: تا واو.
وكانوا يلقنون الطلاب كلمات نحفظها في العقيدة ولا نفهم لها أي معنى، مثل: صفات الله تعالى عشرون: الوجود والقدم والبقاء ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه بنفسه، والوحدانية، والعلم والإرادة والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام، وكونه تعالى عالمًا ومريدًا وقادرًا وحيًا وسميعًا وبصيرًا ومتكلمًا.
كما كانوا يحفظوننا من السيرة النبوية أولاد النبي سبعة: عبد الله والقاسم وإبراهيم، وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وكلهم من السيدة خديجة، إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية.

ولعل هذا الجزء من السيرة هو الذي يجدي حفظه، أما العقيدة فلا يغني فيها (الصَّمّ) والحفظ بغير فهم، والذين يلقنون الصبيان العقيدة بهذه الصورة على المذهب الأشعري أخطؤوا الطريق؛ فالإيمان لا ينشأ بهذه الطريقة، ولا يتكون على هذا التلقين فكر سليم، ولا عاطفة حية.
بدأ الشيخ حامد -رحمه الله- معي حفظ القرآن من جزء "عم"، بحفظه منكوسا أي سورة الناس، فسورة الفلق، فالإخلاص فالمسد، فالنصر، فالكافرون، إلى أن فرغت من حفظ جزء عم، ثم جزء تبارك، ثم "قد سمع"، بهذه الطريقة، ثم جزء الذاريات، إلى سورة النجم.

حفل الكتاب في ختم سورة البقرة
ثم قفز بي الشيخ حامد إلى سورة الأنعام، فحفظت سورة الأنعام، ثم المائدة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم البقرة، وعندما ختمت البقرة أقام الكتاب حفلا صغيرا بهذه المناسبة، فقد كان أهل القرية يسمون ختمة سورة البقرة (الختمة الصغيرة) وختم القرآن كله (الختمة الكبيرة). ووجدت لهذا أصلا، وهو أن سيدنا عمر حين ختم سورة البقرة حفظا نحر جزروا -أي ناقة- ابتهاجا بما وفقه الله إليه. ونحن لم ننحر جزورا ولا شاة ولا دجاجة، إنما وزعنا بعض الحلوى، على الأولاد في الكتاب، ومن حضر من الأقارب.

وكان الشيخ حامد يعطينا بعض الضوابط في الآيات المشتبهة، التي كثيرا ما يحدث فيها الخطأ من التلاميذ، ويلتبس بعضها ببعض، مثل كلمة "ضرا ولا نفعا" أو "نفعا ولا ضرا" فقد يضع التلميذ هذه موضع تلك، فحفظنا الشيخ حامد تلك الجملة لضبط ذلك: والنفع قبل الضر في سورة الأعراف، والرعد، سبأ. والمراد مما في سورة الأعراف قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} (الأعراف: 188).
ومثل ذلك عبارة "لهوا ولعبا" أو "لعبا ولهوا"، أيهما يقدم، وأيهما يؤخر، وهنا جاءت عبارة ضابطة: تذكر أيها القارئ قبل أن تموت اللهو قبل اللعب في الأعراف والعنكبوت. يعني في الأعراف قوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا} (الأعراف:51)، وكذلك كنا نحار في قوله تعالى: (يزيدهم من فضله) بين (يزيدهم) بالضمة أو بالفتحة، حيث لم نكن نعرف النحو، وكانت هذه الجملة: (ويزيدَهم) يا شاطر، في النور وفاطر. يعني قوله تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} (فاطر: 30). ثم بدأت بعد ذلك أحفظ القرآن غير منكوس، ابتداء من سورة الأعراف ثم الأنفال ثم التوبة... إلخ حتى وصلت إلى نصف القرآن، ووقفناعند ربع "أما السفينة" من سورة الكهف، وهو بداية الجزء السادس عشر من المصحف.

وهنا وقفنا وقفة لنراجع الماضي ونثبته، وفي هذه الفترة سافرت مع خالي في بعض سفراته التجارية، وانقطعت عن الكتاب عدة أيام، ومن خوفي من الشيخ حامد استمررت في الانقطاع وتماديت فيه، ولم يهتم أحد بهذا الانقطاع الذي كان يمكن أن يغير حياتي، وبقيت نحو عشرة أشهر، ثم أصر عمي على أن أعود إلى الكتاب، فعدت إليه، ورحب بي الشيخ حامد، واتفق على أن نثبت ما مضى أولا، ونعيد حفظه وتسميعه، ثم نبدأ في حفظ الجديد.
وكان الاتفاق أن أُسمِّع كل يوم نصف جزء من الماضي، وفعلا لم يمضِ أكثر من شهر حتى كنت قد استعدت نصف القرآن الأول حفظا، وسمَّعتُه على الشيخ حامد. وبدأت أحفظ النصف الثاني.

كتبت نصف ربع (أما السفينة) من سورة الكهف في اللوح كالعادة، وفي صباح اليوم التالي باكرا سمَّعته، فقال لي الشيخ حامد: ما رأيك في أن تحفظ نصف الربع الباقي في المصحف؟ فقلت: لنجرب ولنستعِن بالله تعالى. فقرأته عليه لأصححه، ثم شرعت في حفظه، فما هي إلا فترة، حتى حفظت المقرر المطلوب، وسمَّعته على الشيخ حامد، فقال لي: إذن من السهل عليك أن تحفظ كل يوم ربعًا من المصحف، ولا داعي لكتابته، وأن تقوم بتسميعه مباشرة، وقد كان. ولهذا لم يأخذ النصف الثاني من القرآن معي أكثر من ثلاثة أشهر؛ إذ كنت قد حفظت من قبل من سورة النجم إلى آخر القرآن.

وانتهى بي المطاف إلى اللوح الأخير في القرآن الكريم، وهو عادة يكون من سورة الضحى إلى سورة الناس، وفي العادة يُكتب في لوح كبير، ويقرؤه التلميذ في حفل ختام القرآن.
واستعدَّ الكُتاب، واستعدّ التلاميذ فيه، واستعدّ الأقارب بإحضار الشربات و(الكراملة)، واستعد الشيخ حامد، فدعا بعض أحبابه للحضور، واستعددت أنا لقراءة اللوح الأخير في اليوم المشهود، يوم الختمة الكبيرة. وكان حفلا متواضعا، ولكنه كان جميلا ورائعا، كنت أقرأ السورة، وفي ختامها أقول: لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. وأولاد الكتاب جميعا يرددون معي هذا الذكر بصوت جماعي مؤثر، من سورة الضحى إلى سورة الناس.
كان عمري في ذلك الحين 9سنوات وبضعة أشهر، وكنت أصغر طالب حفظ القرآن في القرية، ولولا الأشهر العشرة التي غبتها عن الكتاب لختمت القرآن قبل سنة تقريبا. ولكن كل شيء بأجل مسمى.
ومن ذلك اليوم شيّخني الناس، وسموني (الشيخ يوسف) حافظ كتاب الله.

وقد عرفت فيما بعد أن كثيرا من المسلمين في باكستان والهند وغيرها يلقبون من أتم القرآن حفظا بـ"الحافظ"، ويقرنونها باسمه حتى تصبح وكأنها جزء منه، وقد كان أحد طلابنا في قطر من باكستان، اسمه "حافظ عبد القيوم"، وظننت أول الأمر أن اسمه "حافظ"، مثل "حافظ إبراهيم" الشاعر المعروف، ولكني عرفت منه أن اسمه الأصلي "عبد القيوم"، أضيف إليه لقب "حافظ" بعد حفظه للقرآن، ولزمته طوال حياته.
كان من حق الشيخ حامد أن يحصل على جنيه مكافأة ختم القرآن، يأخذها عادة من كل تلميذ يتم حفظ القرآن، ولكنه -رعاية لحالي- اكتفى بنصف جنيه. جزاه الله خيرًا.
بعد ختمي للقرآن، ظللت في الكتاب، أثبت الحفظ من ناحية، وأساعد الشيخ "حامد" في الإشراف على الصغار من الأولاد، ومعاونتهم على الحفظ، مع الذهاب إلى المدرسة الإلزامية، في فترة ما بعد الظهر، وهي مرحلة كنت قد بدأتها منذ سنتين ونصف تقريبا، كما سنتحدث عن ذلك.

إلى المدرسة الإلزامية

في السنة السابعة من عمري، ضممت إلى الكُتاب التعلم في المدرسة الإلزامية الحكومية في قريتنا، وكانت تتبع في ذلك الوقت مجلس مديرية الغربية.
كانت المدرسة تقع في حارتنا، وكان دخولها ضروريا ومهما، لتكمل ما يقوم به الكتاب. وكان في المدرسة مدرس قريب لنا، هو الشيخ عبد الله زايد، وكان شيخا يلبس عمامة وجبة، وقال له عمي: نريد أن يدخل ابننا المدرسة، وكنت معه، فسألني الشيخ عبد الله: كم حفظت من القرآن؟ قلت: وصلت إلى سورة "الجن". قال: حسن، تعالَ إليَّ غدا، وأنا أدخلك المدرسة فورا.

وفعلا ذهبت إليه في الغد، وأدخلني الفصل الأول، وكتب لي جدول الضرب في ورقة، وقال لي: تحفظه في أسبوع وتأتيني لأمتحنك فيه، وبعد يومين أو ثلاثة ذهبت إليه، وقلت له: حفظت الجدول، فاختبرني فوجدني قد حفظته عن ظهر قلب، ولم أخطئ في رقم واحد فيه. كانت المدرسة تُستخدم في الصباح للبنات، وبعد الظهر للبنين. ولهذا كنت أذهب إلى الكتاب في الصباح، وإلى المدرسة في المساء.
وجدت المدرسة غير الكتاب تماما. من حيث المبنى، ومن حيث المعنى. كان المبنى واسعا، هو عبارة عن (فيلا) كبيرة لأحد أقاربنا من جهة أمي، وهو الشيخ "أبو ريّا زغلول"، الذي ترك القرية وأقام في مدينة المحلة الكبرى، وأجَّر بيته للمعارف أو لمجلس المديرية؛ ليكون مدرسة للقرية.

كان المبنى من دورين، في كل دور عدة حجرات، منها حجرة للناظر، وحجرة للمدرسين، وحجرات هي فصول للدراسة. وكان في المبنى (بدروم) يشمل مراحيض ودورة مياه للتلاميذ، وبهذا حلت مشكلة كنا نعانيها في الكتاب، إذا أراد أحدنا أن يبول أو يتغوط، فلا بد أن يذهب إلى (الخرابة) بجوار الكتاب أو يذهب إلى مراحيض الجامع، أو يدخل حمام بيت الشيخ حامد نفسه. كان الكُتاب كله فصلا واحدا، وكانت المدرسة خمسة فصول. وكان للكتاب مدرس واحد، هو صاحب الكتاب، ولكن في المدرسة عدد من المدرسين. وكان الكتاب كله مرحلة واحدة، وكانت المدرسة مراحل، أو فِرقا، ينتقل التلميذ من مرحلة إلى التي بعدها، أو من فرقة إلى التي تليها. وكان الكتاب دراسة مستمرة صيفا وشتاء، لا نعرف إجازة إلا أيام الجمع والأعياد. أما المدرسة فهي تأخذ إجازة في فترة الصيف.

والخلاصة أن الكتاب مؤسسة فردية تقوم على شخص واحد، هو صاحب الكتاب، وهو المعلم والناظر والمفتش، وهو واضع المنهج ومطبقه. أما المدرسة فهي مؤسسة جماعية، تتوزع فيها المسؤولية على الناظر (المدير) والمعلمين، وعليها تفتيش من وزارة المعارف. والمدرسة تنفذ مناهج لم تضعها هي وإنما وضعت من لجان متخصصة من قبل الوزارة.
والمؤسسات الفردية تعتمد على الفرد المؤسس، فإذا صلح صلحت المؤسسة، وإذا فسد فسدت المؤسسة، كالقلب من الجسد. ولقد أتيح لي أن أجمع بين خيري المؤسستين، الكتاب على ما به، فأعانني على حفظ القرآن وتجويده وحسن ترتيله. والمدرسة لأتعلم فيها ما لا يوجد في الكتاب من المعارف التي لا بد منها.

ولقد عاب بعض التربويين المحْدثين الكتاب وحفظ القرآن في الصغر، على أساس النظرية التي تقول: لا يجوز أن يحفظ الطفل ما لا يفهم. ولكن هذه النظرية لا ينبغي أن تطبق على القرآن، فإن حفظه في الصغر كالنقش على الحجر، ولقد حفظناه واختزنَّاه صغارا، فنفعنا كبارا. ومن حفظ القرآن في كبره قلما يثبت إلا بمجاهدة ومداومة على تلاوته ومدارسته، وإلا تفلت كما تتفلت الإبل من عقلها.
على أن القرآن ليس كغيره من النصوص، إنه نص متميز، ميسر للحفظ والفهم، كما قال تعالى: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ" (القمر: 17)

وأذكر أني كنت أقرأه وأنا أفهم المعنى الإجمالي للآيات الكريمة، وإن كنت لا أفهم معاني بعض الألفاظ، ولكني أفهم الفحوى والمقصود منها. ومما أذكره أني كنت أسمّع المقرر عليّ حفظه من الشيخ حامد من سورة الصافات، فقرأت قول الله تعالى في قصة لوط مع قومه، وقد أهلكهم الله، وتعقيب القرآن على ذلك بقوله مخاطبا مشركي مكة: "وَإِنَّكُمْ لّتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ*وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" (الصافات: 137-138) وتلوت الآيتين هكذا، (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل) ووصلت مصبحين مع قوله (وبالليل) ووقفت عندها، ثم قلت: أفلا تعقلون. فقال الشيخ حامد: فتح الله عليك. فقد فهم الشيخ حامد أني وعيت المعنى، فدعا لي.

عندما دخلت المدرسة وألحقت بالصف الأول فيها، سلمت عدة كراسات، لكل مادة من المواد كراسة، كما سلم لي قلم رصاص، ومحاءة، وسلم لي كذلك كراسة خاصة لتحسين الخط، فيها خطوط من خط النسخ وخط الرقعة، وخط الثلث، أحاول أن أقلدها.
وكان مدرسي في الصف الأول مدرسا من جهة السنطة، اسمه الشيخ علي سليمان خليل، كان يلبس لباس المشايخ الجبة والقفطان. وكان هذا لباسا شائعا بين المعلمين مع البذلة الإفرنجية، ذلك أن معظم الدرسين بهذا النوع من المدارس الإلزامية كانوا من خريجي مدرسة المعلمين، وكانت تأخذ طلابها من حفاظ القرآن.

وقد رحب بي الشيخ علي خليل، وما أسرع ما ظهر تفوقي على تلاميذ الفصل، ولعل دراستي السابقة في الكتاب ساعدتني على ذلك، وكان يسميني (بيرنجي الفصل) أي أول الفصل، ولم أعرف أصل هذه الكلمة حتى زرت إستانبول في تركية سنة 1967م. وعرفت اشتقاق هذه الكلمة، فهي مأخوذة من كلمة (بير) أي رقم (1) ومعنى بيرنجي: أي الشخص رقم (1) أي الأول.
ومن مزايا المدرسة أنها تستخدم المنهج التربوي في تقويم أعمال التلاميذ، وتعطيهم عليها درجات في أرقام، كانت درجاتي عادة عشرة على عشرة، مشفوعة بكلمة حسن أو حسن جدا، وفي هذا تشجيع وحفز للتلاميذ أن يتفوقوا ويتقنوا، وإذا تفوقوا أن يحافظوا على تفوقهم.

وعندما انتقلت من الفرقة الأولى إلى الفرقة الثانية وحصلت على الإجازة لنستمتع بحق اللعب والراحة فيها، وعدنا إلى المدرسة، كان مدرسنا من أبناء القرية، وهو الأستاذ المربي الفاضل/ سعيد سليمان ثابت، ابن شيخ معلمي القرية الشيخ سليمان تائب أو ثابت.
وكان الأستاذ سعيد أو سعيد أفندي معلما بفطرته وخبرته، وكانت بيننا وبينه مودة ومحبة، وكان يدرس لنا التاريخ والجغرافيا وعلم (الأشياء) ويُعْنَى به ما نريد الآن من مادة (العلوم). والصحة والحساب والإملاء والخط والمطالعة والمحفوظات. فلم يكن مدرس مادة، إنما هو مدرس فصل أو صف.

وقد درس لنا سعيد أفندي أكثر من سنة، وكان له حس أدبي قوي يتجلى في اختياراته لما نحفظه من قطع أدبية، ومما أذكره مما حفظه لنا شعر للإمام الشافعي:

ومـن لـم يذق ذل التعلم ساعـة    تجرع ذل الجهل طـول حياته

ومـن فـاته التعليم وقـت شبابه    فـكبر عـليه أربعـا لـوفاته

حياة الفتى - والله - بالعلم والتقى   إذا لـم يكونا لا اعتبار لـذاته

وفي السنة الثالثة ختمت القرآن بالكتاب، وأصبحت متفرغا للمدرسة، وإن لم أنقطع عن الكتاب، فقد ظللت فيه، لمعاونة الشيخ حامد في التسميع للتلاميذ الصغار والإشراف عليهم. وفي السنة الخامسة انتقلت المدرسة إلى مبنى جديد خاص بالبنين، وأصبح للبنات مبنى آخر مستقل لهن، وبهذا صارت المدرسة صباحية، فتعارضت المدرسة مع الكتاب، ومع هذا كنت أذهب إلى الكتاب بعد الظهر.

أول جائزة في حياتي.. جنيه وربع

وفي هذه المرحلة: ما بعد ختم القرآن، ولم أزل في المدرسة الإلزامية: أظن ذلك كان في صيف سنة 1937م وأنا في الحادية عشرة من عمري، استدعيت إلى إدارة المنطقة التعليمية بمجلس مديرية الغربية بمدينة طنطا، للامتحان في القرآن الكريم. لم أعلم بذلك إلا يوم السفر، وسافرت مع الشيخ حامد أبو زويل محفظي للقرآن.  ووصلنا إلى موقع الإدارة، ناداني المفتش المسؤول عن الامتحان، وكنت أعرفه، فقد زار مدرستنا من قبل، وهو الشيخ عبد المقصود سليمان عيد، وكان رجلا مهيبا مشرق الوجه، طويل القامة، يلبس جبة وعمامة، وهو والد المحامي الكبير الشهير عادل عيد.

ولما دخلت عليه هش في وجهي، وأراد أن يزيل الرهبة من نفسي، وقال لي: طبعا أنت حافظ القرآن يا ابني؟ قلت له: الحمد لله، أحفظه جيدا. وهنا وجه إلي نحو ثلاثين سؤالا من مختلف أجزاء القرآن وسوره، ولا أذكر أني أخطأت في الإجابة أو تلعثمت. فقال في النهاية: فتح الله عليك يا بني، وبارك فيك. ولك عندنا مكافأة باعتبارك أحفظ التلاميذ في المديرية. ولا أذكر هل صرفت المكافأة يومها أو بعدها بأيام؟ المهم أني صرفت هذه المكافأة، وقدرها جنيه وربع جنيه، وهي أول جائزة أتسلمها في حياتي.


ومنذ سنوات حضرت الاحتفال الأول لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، حيث كُرِّم شيخنا الشيخ محمد متولي الشعراوي باعتباره شخصية العام الإسلامية، وكرم أوائل الحفاظ للقرآن من أنحاء العالم، ممن لا يزيد عمرهم على 21 عاما. وكان لي كلمة في ذلك الحفل، هنأت فيها صاحب الجائزة الشيخ محمد بن راشد المكتوم، ولي عهد دبي ووزير دفاع دولة الإمارات، وهنأت شيخنا الشعراوي، وهنأت الحفاظ الفائزين، وكان نصيب الأول 250 ألف درهم إماراتي (ربع مليون) وقلت لهم: إني حصلت على الجائزة الأولى في صباي وكانت جنيها وربعا، صحيح أن الجنيه والربع الآن قد تساوي نحو ألف درهم، ولكن جائزة الأول 250 ألفا. فهذا من فضل الله تعالى على حفاظ كتابه، والدول العربية تتنافس في ذلك. وقد وسع الله عليها فلتوسع على أهل القرآن.

المهم أن فرحتي بهذه الجائزة كانت لا تقدر، لأنها جاءت على غير توقع، ودلت على أن الله لا يضيع أهل القرآن. كيف وهم أهل الله وخاصته؟
وقد حصل الشيخ حامد على ربع جنيه من المكافأة، وبقي الجنيه لي. وأصبحت أملك مما كسبت يداي جنيها مصريا. وقد سلمت هذا الجنيه لعمي، فقال لي: لك به عشر الجاموسة. وأنت ونصيبك، فما يجيء منها لك عشره. وما يجيء منها عادة (عجل) في كل سنة، يباع بعد أربعين يوما (بتلو) بخمسة جنيهات. ومعنى هذا أن يكسب الجنيه في السنة نصف جنيه، أي بحساب الأرقام 50%.
ولكن الذي حدث أن الجاموسة لم تحمل في تلك السنة ولم تلد، على خلاف السنوات الماضية. وقال عمي: هذا حظك يا ابني، وهي أرزاق من عند الله.

وأذكر أني قبل ذلك اجتمع عندي من عيدياتي (ما آخذه في الأعياد من الأقارب) نصف جنيه، خمسون قرشا، فاقترحت علي جدتي لأمي، أن تشتري لي بها (أوزة بياضة) وهذه تبيض كل عدة أشهر نحو عشر بيضات، وترقد عليها، وتفقس كل بيضة أوزة خضراء صغيرة، تتعهدها جدتي مع أوزها وطيورها ودواجنها، وكانت ماهرة في تربية هذه الأشياء وموفقة فيها، فإذا كبرت الأوزات الصغيرة قليلا باعتها بمبلغ يساوي ضعف رأسمالي أو أكثر. فماذا حدث لأوزتي؟ لقد باضت بيضتين ثم توقفت، ودون سبب معروف. ولا يمكن أن ترقد الوزة على بيضتين. وقالت لي جدتي: هذا حظك يا ابني، إنها أرزاق!
وأنا لست من المتطيرين والمتشائمين، ولكن يبدو لي من تجاربي وممارساتي في عالم التجارة والمال: أني من قليلي الحظ في هذا المجال. فجل المشروعات التي دخلت فيها أو شاركت فيها قدر الله أن تخسر. وليس هذا في مشروع ولا اثنين ولا ثلاثة. تكاد كل المشروعات التي ساهمت فيها - إلا القليل منها - تنتهي بضياع ما وضعت فيها من مدخراتي من كسبي ومن كتبي.

أول (مائة جنيه) ملكتها في حياتي كانت من حقوق تأليف أول طبعة من كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) وكانت ستين جنيها، مع أربعين أخرى ادخرتها، وكانت المائة جنيه في هذا الوقت ثروة، هذه المائة جنيه، وضعتها تأمينا لقطعة أرض في مدينة نصر بالقاهرة أول ظهورها، عن طريق بعض الجمعيات التعاونية، وسلمنا المبلغ بواسطة الجمعية لبنك يسمى (بنك التعاون). وحاولت بعد ذلك: أن أستفيد من ذلك بأخذ قطعة أرض، فلم أستطع، ثم حاولت أن أسترد المبلغ فلم أوفق، وخصوصا أني سافرت بعد ذلك إلى قطر، وضاعت الجنيهات المائة إلى اليوم.

وبعد عدة سنوات من قدومي إلى قطر، عرض عليّ سكرتيري في المعهد الديني: أن أشترك معه في شراء أرض للبناء، وهذه تتضاعف أسعارها بسرعة. ووافقته على ذلك، ودفعت له ما كان عندي في ذلك الوقت وهو خمسة وعشرون ألف ريال - أو روبية - ومرت عدة سنوات والأرض ساكنة لم تتحرك، فاضطر الأخ أن يبيعها بثمن شرائها، وأن يأخذ كلانا ما دفعه، والحمد لله على عدم الخسارة.
ومن المفارقات: أن هذه الأرض التي بيعت - بعد سنوات - بثمن شرائها، لم تكد تمضي عليها سنة واحدة، حتى تغير سعرها، ونفقت سوقها.

وبمناسبة أرض المباني، حدثت في قطر - وفي بلاد الخليج عامة - في بعض السنين طفرة هائلة في أسعار أراضي البناء، وربح بعض الناس منها ملايين في ذلك الوقت، وقد رأى بعض أصدقائي من التجار القطريين هذه الظاهرة، فاقترح علي أن أشترك معه في شراء قطعة أرض رآها مناسبة، وكان معي مبلغ كبير نحو نصف مليون ريال، وبالفعل شاركت به معه، وجاءت له فيه صفقة تربح قليلا، فطمع ولم يبع، ثم ما لبثت الأرض أن عادت إلى أسعارها الطبيعية، وزالت هذه الطفرة المجنونة، وحدث نقص هائل في أسعار الأرض، حتى إن بعض الأراضي التي اشتريت لم تعد تساوي عشر ثمن شرائها، وكان الناس يسألونني عن زكاة الأرض في تلك الفترة، فأقول: قومها وأد زكاتها. فيقول: كيف أقومها ولا أجد من يسومها؟ فقد عم الكساد، وما عاد أحد يشتري الأرض بكثير ولا قليل.
وقلت: عوضي على الله، ومرت سنوات طويلة، حتى بيعت الأرض بالتقسيط وعاد لي ثمنها الذي دفعته مرة واحدة على سنوات.

ولي تجارب شتى لا داعي لذكرها: في قطر، وفي مصر في شركات توظيف الأموال، وفي السودان وفي غيرها، آخرها (بنك التقوى) الذي وضعت فيه جل مدخراتي، في أسهمه ومضاراباته، وحرضت أولادي أن يشتركوا فيه، وقد كان أحسن البنوك الإسلامية ربحا، وأسلمها معاملة، حتى إنه لم يعمل في المرابحة قط، ولم يدخل أسواق السلع والمقاولة، ثم دارت عليه الدوائر، فإذا هو يصفي الآن، ولا ندري: أنحصل على 10% من رأسمالنا أم لا؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. لقد قال الأخ يوسف ندا رئيس البنك ما قالته جدتي منذ نحو سبعين عاما: إنها أرزاق!
وبعض شركات التوظيف في مصر، مثل (شركة الحجاز) لم أحصل أنا ولا أولادي على فلس واحد من أموالنا فيها إلى اليوم.

ومع هذا، فإن خير الله عندي كثير، وفضله لا يجحد، ونعمه لا تحصى، وما ضاع مني شيء إلا عوضني الله مثله أو خيرا منه، ولا يدري أحد أين يكون الخير "وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (البقرة:) وقد ذكروا عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال:

لنا علم، وللجهال مـال    رضينا قسمة الرزاق فينا

وعز العلم باق لا يزال    فعز المال يفنى عن قريب