لئن كان الصف الإسلامي خسر قلمًا وكاتبًا بظهور كتاب "من هنا نبدأ" وانضمام خالد محمد خالد إلى زمرة العلمانيين، وإن لم يكن معروفًا من قبل به؛ لقد كسب الصف الإسلامي رجلًا هو أسدُّ قلمًا، وأرسخ قدمًا وأعرق في عالم الأدب والثقافة من خالد، وهو الكاتب والشاعر والأديب والناقد سيد قطب، الذي دخل بكتابه الجديد "العدالة الاجتماعية في الإسلام" في ساحة الدعوة الإسلامية، وغدا واحدًا من الدعاة والمفكرين الإسلاميين.

وقد أهدى كتابه بعبارته: "إلى الفتية الذين كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين؛ فوجدتهم في واقع الحياة قائمين.. يجاهدون في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم، مؤمنين في قرارة نفوسهم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. إلى هؤلاء الفتية الذين كانوا في خيالي أمنية و حلمًا، فإذا هم حقيقة وواقع، حقيقة أعظم من الخيال، وواقع أكبر من الآمال. إلى هؤلاء الفتية الذين انبثقوا من ضمير الغيب كما تنبثق الحياة من ضمير العدم، و كما ينبثق النور من خلال الظلمات. إلى هؤلاء الفتية الذين يجاهدون باسم الله. في سبيل الله. على بركة الله. أهدي هذا الكتاب".

كان سيد قطب من أبناء دار العلوم ومن زملاء حسن البنا، أو بعده بقليل، وإن لم يحدث بينهما تعارف في أثناء الدراسة، ولكنه انتبه إليه حين كان في أمريكا ورأى بعينه احتفال الأمريكيين وفرحتهم بمقتله. وقد ذكر الأستاذ محمود عبد الحليم في كتابه "أحداث صنعت التاريخ" أن سيد قطب كتب مقالًا في جريدة الأهرام القاهرية اليومية يدعو فيه الناس دعوة صريحة إلى العري التام، وأن يعيش الناس عرايا كما ولدتهم أمهاتهم.. وأن الأستاذ محمودًا كتب مقالًا في الرد عليه، وعرضه على الأستاذ البنا فأشار عليه ألا ينشره حتى تموت الفكرة في مهدها، فقد يؤدي الرد عليه إلى إحيائها والأخذ والرد في شأنها وهذا في صالحها.

وهو أمر مستغرب من مثل الأستاذ سيد قطب الذي لم يُعرف عنه طوال حياته مثل هذا التوجه إلى الإباحية، وهو ابن دار العلوم، وابن الصعيد، ولكنا لا نملك أن نكذب الأستاذ محمودًا ولا سيما أنه أشرك معه الإمام البنا.

كان سيد قطب شاعرًا رومانسيًا محسوبًا على جماعة "أبولو" وكان أديبًا مرموقًا محسوبًا على مدرسة العقاد التي تخاصم مدرسة الرافعي، وكان ناقدًا أديبًا يملك حاسة نقدية عميقة، كما كان له أصوله النظرية في النقد، ضمنها كتابه المعرف "أصول النقد الأدبي"، وقد تجلت قدرته النقدية الموهوبة والمكتسبة في كتابيه الرائعين، "التصوير الفني في القرآن" و"مشاهد القيامة في القرآن" اللذين لم ينسج فيهما على منوال أحد قبله، وأبدع فيهما غاية الإبداع؛ ويُعَدُّ بهذا من رواد النقد الأدبي الإسلامي، ولكن كتابه الجديد "العدالة الاجتماعية في الإسلام" كان نقلة نوعية لسيد قطب من أديب مسلم إلى داعية إسلامي ومفكر إسلامي.

وقد سبقه في جانب العدالة الاجتماعية الإسلامية رجال؛ أبرزهم الشيخ محمد الغزالي، الذي صدر له كتابان في هذا المجال: "الإسلام وأوضاعنا الاقتصادية" و"الإسلام والمناهج الاشتراكية" كما نُشر له مجموعة مقالات جُمعت بعد ذلك في كتاب "الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين".

ولقد قرأ سيد قطب هذا كله وغيره وذكره في مراجع الطبعة الأولى من "العدالة" ولكنه أحسن حين وظفه توظيفًا حسنًا، ووضعه بطريقة منهجية تخاطب النخب المثقفة بأسلوب العصر.

ولقد سررنا نحن شباب الدعوة بظهور كتاب سيد قطب وما يحمله من توجه جديد لهذا الأديب الكبير نحو الرسالة الإسلامية والفكرة الإسلامية.

وقد سار سيد قطب في هذا الدرب المضيء وأصدر أكثر من كتاب في الاتجاه نفسه، منها كتاب "معركة الإسلام والرأسمالية" و كتاب "السلام العالمي والإسلام"، وغدا يكتب في عدد من الصحف التي تعد من صحف المعارضة، بعضها إسلامي مثل صحيفة "الدعوة" للإخوان، وبعضها إن لم يكن إسلاميًا خالصًا فهو يحمل رائحة إسلامية مثل صحيفة "الاشتراكية" لحزب العمل الاشتراكي (مصر الفتاة من قبل) وصحيفة "اللواء" للحزب الوطني، ولكنه كان يكتب تحت راية الإسلام وفي سبيل نصرته وبعث أمته، وقد جمع هذه المقالات التي كتبت في تلك الفترة في كتاب بعنوان "دراسات إسلامية".

كما أنشأ سيد قطب مع مجموعة من المفكرين الثائرين مجلة "الفكر الجديد" كان الإعلان فيها وهو شعارها: "تحرير أقلام قوية مؤمنة بحق الشعوب في الحياة. يشترك في تحريره: سيد قطب"، كما كان يُدعى لإلقاء محاضرات في بعض الكليات وغيرها، ومنها محاضرة ألقاها في كلية الآداب بجامعة عين شمس أوائل قيام ثورة يوليو؛ شهدتها مع عدد من طلاب كلية أصول الدين التي كانت قريبة جدًا من كلية الآداب حيث تقع قبالتها في شبرا، وقد قدمه عميد الكلية الأستاذ الدكتور مهدي علام تقديمًا أشاد فيه بنبوغ المحاضر منذ كان طالبًا، وكانت المحاضرة عن "الثورة في الإسلام" وأن الإسلام ثورة في عالم التصور وفي عالم الشعور وفي عالم الواقع.

وكان الأستاذ سيد أول ما قامت الثورة قريبًا من رجالها ومن جمال عبد الناصر بخاصة، حتى إنهم في أول الأمر حينما أرادوا أن يُنشئوا "هيئة التحرير" لتكون حزب الجيش أو الثورة كان توجههم أن يُحملوا سيد قطب مسئولية أمانتها العامة، ولكن يبدو أن فكره لم يتفق مع أفكارهم واتجاهه لم ينسجم مع اتجاههم فكان فراق بينه وبينهم، والتفاصيل في ذلك عند شقيقه الأستاذ محمد قطب حفظه الله.

وفي هذه الفترة اقترب الأستاذ سيد قطب من جماعة الإخوان وإن لم ينضم إليهم بصورة رسمية، وكان يصحب الأستاذ الهضيبي المرشد العام للإخوان في بعض رحلاته إلى الأقاليم.

وأذكر أنه زارنا في منطقة المحلة الكبرى بمناسبة الاحتفال بالهجرة النبوية وتحدث في هذا الحفل الكبير الأستاذ الهضيبي والأستاذ عبد الحكيم عابدين السكرتير العام للإخوان، والفقير إليه تعالى، وكان الأستاذ سيد قطب مستمعًا فقط .

وأذكر أن الأستاذ سيد رحمه الله قال للأستاذ عابدين بعد أن سمع كلمته الضافية في المناسبة: لماذا لا تكتب هذا الكلام يا أستاذ عابدين؟ إن الكلمة المكتوبة لها أهميتها فهي أخلد وأبقى من الكلمة المسموعة، وكان كثير من الإخوان يلقون كلمات نيرة وقيِّمة في هذه المناسبات ولكنها لا تُكتب.

وبعد ذلك اندمج سيد قطب في الإخوان وأصبح رئيسًا لقسم نشر الدعوة ورئيسًا لتحرير مجلتهم الأسبوعية، وسيأتي الحديث عن هذا الطور في حينه ثم الطور الذي يليه: طور "معالم في الطريق" وما تلاه وما صاحبه من كتب عبّرت عن "فكر المحنة" التي ابتلي بها الإخوان ودعوة الإسلام بصفة عامة، وما كان لها من أثر على تفكير الشهيد رحمه الله، وسيأتي الحديث عن ذلك في حينه من حلقات هذه السيرة إن شاء الله .

لقي كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" قبولًا عاما لدى المثقفين المسلمين في العالم العربي والإسلامي، ولكن فصلًا منه أثار جدلًا طويلًا لدى بعض العلماء المعنيين بتراث الأمة وتاريخها في مصر وباكستان، هذا الفصل هو ما يتعلق بـ"الواقع التاريخي في الإسلام" فقد قسا الأستاذ سيد رحمه الله في نقده لبعض مواقف سيدنا عثمان الخليفة الثالث في الإسلام كما قسا على بني أمية بصفة عامة وخصوصًا في الطبعة الأولى للكتاب.

وهذا ما أغضب العالم الشاعر الأديب المحقق الأستاذ محمود محمد شاكر فكتب نقدًا مرًا، بل هجومًا عنيفًا على الكتاب في عدة مقالات نشرتها مجلة "المسلمون" التي كان يصدرها الأستاذ سعيد رمضان تحت عناوين مختلفة، أذكر منها "حكم بلا بيّنة"، و"ألسنة المفترين"، و"تاريخ بلا إيمان"، و"لا تسبوا أصحابي".

كما هاجم بعض علماء باكستان سيد قطب؛ لأنه تطاول -في نظرهم- على الخليفة الراشد صهر الرسول الكريم عثمان بن عفان وهو من الصحابة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راضٍ.

ولا يتسع المجال هنا لأحكم بين الرجلين الكبيرين، ولا سيما أن القضية شائكة وهي من القضايا المهمة التي تضيع فيها الحقيقة بين الغلو والتفريط، وفي رأيي أن في كلام كل منهما شيئًا من الحق وشيئًا من الغلو، والعدل في الوسط بينهما.

والحقيقة أن تاريخنا -وخصوصا في عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم وهي خير قرون الأمة كما صحت بذلك الأحاديث- يحتاج إلى تحقيق علمي رصين وتمحيص لروياته في ضوء الموازين العلمية التي وضعها علماؤنا لتوثيق الأخبار أو تصنيفها، فلا يؤخذ كل ما في الكتب قضية مسلمة برغم الشكوك والشبهات التي تحيط بها، وبرغم ما يعرفه الدارسون المتخصصون من وهن أسانيدها واتهام ناقليها في عدالتهم ونزاهتهم، فكثير منهم له أهواؤه وفرقته الخاصة التي ينتمي إليها، ويتعصب لها بالحق أو بالباطل، بل قد يستحل الكذب لترويج دعاويها وإضعاف خصومها.

ولم يهتم مؤرخونا الأوائل بنقد الأسانيد -برغم قدرتهم على ذلك مثل الطبري- لأن التاريخ في نظرهم لا تترتب عليه أحكام في الحلال والحرام، فنقلوا إلى الناس ما نقل إليهم بأسانيده، وتركوا البحث في هذه الأسانيد وغفلوا عن مسألة مهمة، وهي أن التاريخ وإن لم تترتب عليه أحكام؛ تترتب عليه أشياء أخرى مثل: تشويه صورة الأمة في خير قرونها وأفضل عصورها.

والواجب أن ننظر إلى تاريخنا نظرة منصفة بحيث لا نقدسه ولا نظلمه، بل ننصفه ونحكم له أو عليه بالعدل كما قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام: 152).

والشهيد سيد قطب رحمه الله لم يسعه إلا أن يعترف بأن الإسلام ظل راسخ البناء مرفوع اللواء منفردًا بالفتوى والقضاء والتشريع للأمة الإسلامية في كل شئونها اثني عشر قرنًا من الزمان؛ وبهذا أنصف الإسلام وأنصف التاريخ وأنصف نفسه كذلك.

يقول في آخر كتابٍ ألفه، وقد نُشر حديثًا (1406هـ - 1986م) أي بعد استشهاده رحمه الله بعشرين عامًا، يقول في مقدمة كتابه "مقومات التصور الإسلامي"، وهو الجزء المكمل لـ"خصائص التصور الإسلامي": "وارتفع لواء الإسلام عاليًا، وظل مرفوعًا أكثر من ألف عام، بل حوالي مائتين وألف عام، ممثلًا في النظام الإسلامي في ظل الأقطار الإسلامية، وهو النظام الذي يرجع الناس فيه إلى شريعة الله وحدها، ولا يحكم قضاة هذه الأمة إلا بالشريعة الإسلامية في كل أمر من أمور الحياة، ولا يتحاكم الناس إلى غير هذه الشريعة، في شأن واحد من شئون المعاش" أ.هـ ص26

النشاط الإخواني

كانت جماعة الإخوان محظورة أو محلولة من الناحية الرسمية، ولكن هذا لا يعني أكثر من فقد البطاقة الشخصية أو شهادة الميلاد الرسمية -كما قال الأستاذ البنا- أما وجود الإخوان على أرض الواقع فأمر لا شك فيه. ولقد خرج الإخوان من معتقلاتهم أشد عزمًا، وأقوى إصرارًا على دعوتهم، واستمساكًا بعروتها الوثقى، ونشاطًا في سبيلها.

وكانت هذه الفترة من أخصب الفترات في تاريخ الدعوة، فلم يكن للدعوة دور ولا لافتات، ولا أية مظاهر رسمية، وإنما كان هناك عمل هادئ صامت، يقوم به أبناء الدعوة في كل مكان، وخصوصًا بين الطلاب، وكان العمل أشبه ببذر البذور الطيبة في أرض خصبة، بأيدٍ أمينة، وكان لا بد أن يؤتي أكله.

وكنا نكسب باستمرار شبابًا وجنودًا جددًا ينضمون إلى الدعوة مخلصين، لا يرجون إلا الله والدار الآخرة، وقد كان هذا أمرًا جليًّا بالنسبة لطلاب الجامعة والأزهر، وقد جمعت بيننا لقاءات دعوية للتفاهم وتنسيق العمل المشترك.

تأييد مرشحي الإخوان في الانتخابات:

وكان من أهم جولات النشاط العلني الذي قمت به في هذه الفترة: تأييد مرشحي الإخوان في الانتخابات، فقد رُشِّح عدد منهم في بعض الدوائر، وكان ذلك لغاية مهمة، وهي أن الانتخابات تتيح لهم -رسميا- الحديث عن الدعوة وأهدافها ومنجزاتها ومستقبلها، وإن لم يكن لديهم أمل في النجاح.

رُشِّح الشيخ الباقوري في دائرة القلعة، والأستاذ طاهر الخشاب في العباسية، والأستاذ مصطفى مؤمن في الجيزة، والأستاذ علي شحاته في شبرا، والشيخ عبد المعز عبد الستار في فاقوس، والأستاذ فهمي أبو غدير في الوسطى وأسيوط.

وكنا ننتقل من دائرة إلى أخرى لنشارك في المسيرات المؤيدة، أو في حملات الدعاية؛ بدافع من أنفسنا، ورغبة صادقة في مساندة إخواننا، الذين لا يملكون من وسائل الدعاية والتجنيد ما يملك خصومهم المرشحون.

ثم إن الإخوان طلبوا إليّ أن أسافر إلى أسيوط لأسهم في تأييد مرشح الدعوة المحامي فهمي أبو غدير، الذي رشح نفسه في دائرتين: دائرة الوسطى، ومنها (درنكه) بلدة حامد جودة النائب السعدي الكبير، ووكيل مجلس النواب السابق، وقال الأستاذ أبوغدير: إن قصدي ليس النجاح، ولكن إحياء الدعوة في الدائرتين، وكان معي في هذه الرحلة الأخ أحمد العسال.

وقد قمنا بجهد طيب -ولله الحمد- في زيارة قرى دائرة الوسطى، نحدث الناس عن الإسلام ودوره في علاج مشكلاتهم وبناء حياتهم على أسس صالحة، كما أن الأمة في حاجة إليه لتحريرها من الاحتلال البريطاني، وتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني.

وكانت أيامًا حافلة تلك التي قضيناها في أسيوط، وتعرفت فيها على إخوة كرام: محمد الراوي، ومحمد الناجي، وعلي عبد المنعم عبد الحميد، وعيسى عبد العليم، وأحمد نصير، والدمرداش العفالي... وغيرهم من شباب الدعوة الناهض. كما التقينا بالأخ الداعية المربي الحاج "عباس السيسي" الذي كان يعمل في أسيوط حينذاك، وكذلك الحاج عبد الرزاق هويدي (والد الكاتب المعروف الأستاذ فهمي هويدي).

وبعد رجوعي من أسيوط كُلِّفت أن أسافر إلى "فاقوس" بالشرقية؛ لتأييد مرشحها فضيلة الشيخ عبد المعز عبد الستار، وبقيت هناك نحو أسبوع، أنتقل في أحياء فاقوس، وفي قرى الدائرة، لمساندة ابنها البار، وعالمها الجليل، وخطيبها المفوه، الذي دوى صوته في جنبات الأزهر، وفي أنحاء مصر، ووصل إلى فلسطين، فهز المنابر، وأيقظ المشاعر، وزلزل عروش الظالمين.

ثم ودعت الشيخ وعدت بعد ذلك إلى القاهرة لأواصل نشاطي الدراسي والدعوي وقد أبى الشيخ عبد المعز -وهو رجل اشتهر بالسخاء والجود- إلا أن يُحمّلني سلة من "المانجو" من حديقة دارهم، واستمتعت بها أنا وإخواني في السكن.

وقد جرت الانتخابات بعد أيام قليلة؛ ولم ينجح أي مرشح من الأخوان، وهو ما كان متوقعًا؛ فالانتخابات فن لم يتقنه الإخوان بعد، ويحتاج إلى تهيئة وإعداد طويل.