فترة الحرية والبحبحة لم يضيعها الإخوان سدى؛ بل اجتهدوا أن يستغلوها استغلالًا حسنًا، ولا سيما بعد المدة الطويلة التي أرادوا أن يمحوا فيها معارفنا، وينسونا كل ما تعلمنا، حتى حرمونا من الكتب والمصاحف.

ولهذا نظم الإخوة بعض الدروس العلمية المنهجية للارتفاع بمستوى الإخوان الثقافي والعلمي، فكنت أشارك في هذه الدروس بإلقاء أضواء على علوم القرآن وضوابط فهمه وتفسيره، وأضواء أخرى على علوم الحديث أو علم مصطلح الحديث.

وكانت هذه الدروس تشمل الإخوان عمومًا، والشباب والطلبة خصوصًا، وكان معظم الطلبة من الجامعات، ولكن كان قليل منهم من المدارس أو المعاهد الثانوية، مثل الأخ سعد زين العابدين سلامة، الطالب بمدرسة طنطا الثانوية، وأحسبه كان أصغر طالب في المعتقل، ومثل الأخ عبد الشفوق الشحات من طلبة معهد دمياط الثانوي، وكان كلاهما من رواة قصيدتي "النونية".

وكان الأخ وائل شاهين - شقيق الشهيد عمر شاهين - الطالب بكلية الطب، من الإخوة الحريصين على تنظيم هذه الدروس، وتحديد أوقاتها وموضوعاتها، وإحضار المستفيدين منها. كما كنت أشرح للإخوان بعض المفاهيم الإسلامية، وخصوصًا ما كان منها حول «الأصول العشرين» للإمام البنا، وكنت معنيًّا بها من قديم.

جلسات فقهية

كما طلب منا الإخوان: أن يجتمع الإخوة من علماء الشريعة ورجال الدعوة لمناقشة بعض القضايا الكبيرة والوصول إلى رأي فيها. وكان من أولى القضايا التي بحثناها: قضية المرأة؛ لما فيها من إشكالات شتى، واختلافات كثيرة بين المضيقين والموسعين.

وكان مؤسس الجماعة الأستاذ البنا من المضيقين في قضية المرأة، ولكن الظروف الآن تغيرت، وهذا يقتضي منا اجتهادًا جديدًا. ولم نكن نحن الشرعيين على نهج واحد، فمنا من يميل إلى التضييق، ويكاد يحبس المرأة في بيتها، لترعى زوجها، وتربي أطفالها.

وكان أكثر المشاركين من دعاة التوسعة، وبخاصة أخونا العالم البحاثة الحاج محمود عبية «من إخوان شربين»، الذي كان له اطلاع واسع على «المحلى» لابن حزم، كما كان شديد الإعجاب بآرائه، وهو ظاهري النزعة مثله، وقد تبنى آراءه في كثير من المسائل، وأضاف إليها اجتهادات من عنده، أحدثت ضجة في المعتقل، مثل قوله: إن تناول الدخان في الصيام لا يفطر؛ لأنه ليس أكلًا ولا شربًا، مع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على أنه من المفطرات؛ لأنه من الشهوات المرغوبة، التي ينبغي للصائم أن يدعها من أجل الله «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». على أنه ينبغي أن يفطر باعتباره معصية، والمعاصي تفطر عند ابن حزم. ومثل قوله: إن تناول حبة إسبرين للصائم - بدون دماء - لا يفطره؛ لأن هذا لا يعتبر أكلًا، لغةً ولا عرفًا.

وكان من حظ الحاج محمود عبية: أن ابن حزم في قضية المرأة كان تقدميًّا جدًّا، حتى إنه ذهب في كتابه: «الفصل في الملل والنحل» أن المرأة تكون نبية، واعتبر مريم وأم موسى نبيتين. كما أجاز للمرأة أن تكون قاضية في كل المجالات، حتى في الحدود والجنايات، وأنها يمكن أن تتولى الولايات المختلفة، ما عدا الخلافة أو الإمامة العظمى، التي جاء في مثلها الحديث الصحيح: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة».

كما رأى ابن حزم أن المرأة مشروع لها أن تصلي الصلوات كلها في المسجد، وإذا طلبت ذلك لا يجوز لزوجها ولا لوليها أن يمنعها، كما في الحديث المتفق عليه: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». وضعَّف ابن حزم الحديث الذي يجعل صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، ضعفه من جهة السند، ومن جهة المعنى، إذ كيف ترك الرسول نساء الصحابة يتعنَّين الذهاب إلى المسجد في الصلوات كلها حتى العشاء والفجر، وهو يعلم أن الصلاة في بيوتهن أفضل لهن.

ويرى ابن حزم إباحة كشف المرأة لوجهها وكفيها، ويذكر قول الله تعالى: {وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} (النور:31)، قال: فلو كان ستر الوجه واجبًا لقال: «وليضربن بخمرهن على وجوههن».  إلى غير ذلك من القضايا التي أشرت في بعض كتبي إلى أنها تصلح أن تكون أطروحة ماجستير في الدراسات الشرعية. وقد نصحت طالبة في جامعة الإمارات أن تجعل منها رسالة ماجستير، ففعلت. المهم أن ابن حزم كان معنا، ونحن نبحث قضية المرأة، مكانتها، وأثرها في البيت والمجتمع، ومرتبتها، ونشاطها الاجتماعي والسياسي.

وأعددنا بذلك ورقة جيدة تتضمن عدة أحكام وتوجيهات تتعلق بالمرأة، وقلنا: ينبغي أن يواصل الإخوة البحث في هذا الجانب ويوسعوه ويعمقوه، مؤيدًا بالأدلة من الكتاب والسنة، وموثقًا بأقوال الأئمة والعلماء الثقات، وقد بقيت هذه الورقة معي بعد الإفراج مدة من الزمن، ثم عَدَت عليها العوادي، فذهبتْ فيما ذهب من أوراق. وقد أدى فرض الكفاية عن الإخوان وعن علماء الأمة - حول قضايا المرأة - أخونا الحبيب عبد الحليم أبو شقة، في كتابه الفريد: «تحرير المرأة في عصر الرسالة» في ستة أجزاء، جزاه الله عنا وعن العلم والإسلام خيرًا، ورحمه رحمة واسعة.

جلسات أدبية

وكان بجوار هذه الجلسات الفقيهة جلسات أخرى أدبية، نتحدث فيها عن الأدب والأدباء، وعن الشعر والشعراء، ونتناول فيها المُلَح والطرائف الأدبية، ويلقي فيها الشعراء ما لديهم من قصائد جديدة، ولدتها أحداث الساعة، وأجواء المحنة.

وكان يشارك في هذه الجلسات عدد من الإخوان المهتمين بالأدب، منهم: الأستاذ عبد العزيز كامل، والأستاذ فريد عبد الخالق، والأستاذ محمود الفوال، والأستاذ سعد غزال، والأستاذ عبد الحكيم شاهين، وغيرهم ممن لم أعد أذكره.

وكنتُ أُنشدهم بعض ما أنشأته في السجن من قصائد، منها: «النونية»، ومنها قصيدة «السعادة»، ومنها قصيدة «فلسفة الموت» التي ضاعت مني تمامًا. وكان للأخ سعد غزال قصيدة نونية أيضًا جميلة من بحر الرمل، أذكر منها بيتًا واحدًا يقول: كيف يقضي الأمر فينا ضابط  **  عسكري العقل مطموس الجبين؟

ولأول مرة أعرف أن الأستاذ فريدًا يقول الشعر، وقد أنشدنا قصيدة قافية، أذكر عجز بيت منها تقول: وبشير الغيث إرعاد وبرق!