لمحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:
في صيف سنة 1937م وأنا في الحادية عشرة من عمري، استدعيت إلى إدارة المنطقة التعليمية بمجلس مديرية الغربية بمدينة طنطا، للامتحان في القرآن الكريم. لم أعلم بذلك إلا يوم السفر، وسافرت مع الشيخ حامد أبو زويل محفظي للقرآن.
ووصلنا إلى موقع الإدارة، ناداني المفتش المسؤول عن الامتحان، وكنت أعرفه، فقد زار مدرستنا من قبل، وهو الشيخ عبد المقصود سليمان عيد، وكان رجلًا مهيبًا مشرق الوجه، طويل القامة، يلبس جبة وعمامة. ولما دخلت عليه هش في وجهي، وأراد أن يزيل الرهبة من نفسي، وقال لي: طبعا أنت حافظ القرآن يا ابني؟ قلت له: الحمد لله، أحفظه جيدًا. وهنا وجه إلي نحو ثلاثين سؤالًا من مختلف أجزاء القرآن وسوره، ولا أذكر أني أخطأت في الإجابة أو تلعثمت.
فقال في النهاية: فتح الله عليك يا بني، وبارك فيك. ولك عندنا مكافأة باعتبارك أحفظ التلاميذ في المديرية. ولا أذكر هل صرفت المكافأة يومها أو بعدها بأيام؟ المهم أني صرفت هذه المكافأة، وقدرها جنيه وربع جنيه، وهي أول جائزة أتسلمها في حياتي.
ومنذ سنوات حضرت الاحتفال الأول لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، حيث كُرِّم شيخنا الشيخ محمد متولي الشعراوي باعتباره شخصية العام الإسلامية، وكرم أوائل الحفاظ للقرآن من أنحاء العالم، ممن لا يزيد عمرهم على 21 عامًا.
وكان لي كلمة في ذلك الحفل، هنأت فيها صاحب الجائزة الشيخ محمد بن راشد المكتوم، ولي عهد دبي ووزير دفاع دولة الإمارات، وهنأت شيخنا الشعراوي، وهنأت الحفاظ الفائزين، وكان نصيب الأول 250 ألف درهم إماراتي (ربع مليون) وقلت لهم: إني حصلت على الجائزة الأولى في صباي وكانت جنيهًا وربعًا، صحيح أن الجنيه والربع الآن قد تساوي نحو ألف درهم، ولكن جائزة الأول 250 ألفا. فهذا من فضل الله تعالى على حفاظ كتابه، والدول العربية تتنافس في ذلك. وقد وسَّع الله عليها فلتوسع على أهل القرآن.
المهم أن فرحتي بهذه الجائزة كانت لا تقدر؛ لأنها جاءت على غير توقع، ودلت على أن الله لا يضيع أهل القرآن. كيف وهم أهل الله وخاصته؟