ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق

تحميل الكتاب

مقدمة

ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، وصلاة وسلامًا على خاتم رسلك وأنبيائك، الذي مننت به على المؤمنين، إذ بعثته رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وارض اللهم عن آله وصحبه، الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون.

أما بعد...

فلا زالت «المسألة الثقافية» هي الشغل الشاغل للناس، منذ بواكير النهضة إلى اليوم.

ولم يبرح الجدل مستعرًا حول طبيعة «الثقافة» ما هي؟ وما حقيقتها؟ وهل تقتصر على الجانب المعرفي أو تتعداه إلى سائر جوانب الحياة الإنسانية؟ وهل هناك فرق بين الثقافة والحضارة؟

وهل هناك ثقافة كونية أو تظل لكل أمة ثقافتها الخاصة بها؟

وما هي إذن ثقافتنا المعبرة عنا: أهي عربية أم إسلامية أم هما معًا؟

وهل الثقافة «الإسلامية» هي الثقافة «الدينية» أو هي أوسع مدى منها؟

وما خصائص ثقافتنا العربية الإسلامية؟

هل هذه الثقافة ثقافة منغلقة، كما قد يتوهم المتوهمون، أو يشيع ذوو الهوى؟ أو هي ثقافة منفتحة على الثقافات؟

وهل معنى ذلك أن هناك انفتاحًا مقبولًا، وانفتاحًا محذورًا؟

وما المراد من الانفتاح المحذور؟ وما أنواعه؟

عن هذه الأسئلة المهمة تجيب هذه الدراسة الموجزة، محذرة من ثلاثة أنواع من الانفتاح: الانفتاح قبل التهيؤ والنضج، والانفتاح المتساهل في الأخذ والاقتباس، والانفتاح المبهور بالغير. مبينة أن الانفتاح الحق هو الذي يبقي على هوية الأمة وثوابتها، ويأخذ ما يأخذ من غيرها، دون أن يمس جوهرها.

ومهمة هذه الدراسة أن تؤصل هذه المعاني تأصيلًا شرعيًّا، فلا نعلق كلامًا في الهواء غير مسنود بالأدلة التي تشد أزره، بل نعتمد - أول ما نعتمد - على كتاب الله وعلى سنة رسوله الموثقة من مصاردها، مستأنسة بتراث الأئمة، وبأقوال أعلام الأمة، متبعة «سبيل المؤمنين»، ومبتعدة عن «سبيل المجرمين».

كما ختمت الدراسة بذكر نموذجين عمليين من نماذج الانفتاح في ثقافتنا، وإن كان كل منهما له شخصيته وتوجهه، أحدهما من المشرق الإسلامي، وهو الإمام أبو حامد الغزالي، والثاني من المغرب الإسلامي، وهو الإمام أبو الوليد بن رشد الحفيد.

وهذه الدراسة تكملة لدراستنا السابقة «الثقافة العربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة» ومستفيدة منها أيضًا.

وإني لأرجو أن تفيد هذه الدراسة القارئ العربي والمسلم وتزيد من وعيه، وخصوصًا في هذا الوقت، الذي تحتدم فيه المعركة، ولا سيما في بلدنا العزيز مصر، بين المثقفين الإسلاميين والمثقفين العلمانيين، منذ نشرت «وزارة الثقافة المصرية» على نفقتها: رواية القصَّاص السوري حيدر حيدر، المسماة «وليمة لأعشاب البحر» وفيها ما فيها من استخفاف بذات الله تتت وبرسله وكتبه، ولا سيما محمد صصص والقرآن الكريم، وهو ما أثار الشارع المصري، الذي انفجر فجأة، لأمور تراكمية، احتملها الشعب على كره ومضض؛ حتى أدت إلى الانفجار مؤخرًا. والشاعر العربي يقول:

وإذا الذئاب استنعجت لك مرة     فحذار منها أن تعود ذئابًا!

ولقد أنطقت هذه القضية «الأزهر» الذي طال سكوته، فلما تكلم أسمع العالم كله؛ لأنه تكلم بصوت جهير، وتكلم كله: مجمع بحوثه، وشيخه الأكبر، ومدير جامعته، وطلابه وطالباته، مما يدلنا على أهمية هذه المؤسسة، وضخامة دورها في مصر، وفي العالم العربي والإسلامي، حين تؤمن بغايتها، وتستبين طريقها. وهذا ما تحسب له القوى المعادية ألف حساب، وتجتهد أن تحول دونه. ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.

لقد أفرزت هذه المعركة الأخيرة ظاهرة لا يحسن السكوت عليها بحال، فقد بدا الأمر، وكأن الثقافة في مواجهة الدين، والدين في مواجهة الثقافة. وهذا أمر ينذر بخطر كبير، وشر مستطير، إذ المفروض أن تكون ثقافة الأمة في خدمة دينها، لا في مواجهته، وإلا مزقت الأمة من داخلها شر ممزق.

ونحن حين نقول «الدين» لا نعني الدين كما يفهمه الجامدون، ولا كما يفهمه الجاحدون، فما أضاع الدين إلا جامد وجاحد، كما قال شكيب أرسلان ححح. إنما أعني بالدين: الإسلام كما نزل به القرآن، وكما دعا إليه الرسول الكريم، وتلقاه عنه صحابته، وكما فهمه تيار الوسطية الإسلامية رسالة شاملة متكاملة متوازنة، ترحب بالحوار، وتؤمن بالتجديد، وتنير العقل والقلب، وتسعد الفرد والمجتمع، وتجمع بين حسنتي الدنيا والآخرة.

وهذا ما نؤمن به، وندعو إليه، ونحيا له، ونموت عليه. {قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 162لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (الأنعام: 162، 163) .

يوسف القرضاوي

الدوحة: في ربيع الأول سنة 1421هـ

حزيران «يونيو» سنة 2000م