المسلمون قادمون

تحميل الكتاب

مقدمة

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده.

أما بعد:

فهذه مجموعة ثانية من قصائدي، بعضها مما عثرت عليه من القديم، وبعضها مما قلته من جديد، وبعضها مزيج من القديم والجديد.

ورغم اختلاف الزمان، واختلاف مرحلة العمر، فلا أحسب شعري تغير، سواء في وجهته وغاياته أم في أساليبه وأدواته.

وهأنذا أقدم هذه المجموعة للقارئ المسلم، أو أقدم نفسي في هذه المجموعة، عسى أن يعيش معي ما عشته من مشاعر، أكثرها في جانب الألم والأسى، ولكنه ألم ينشئ الأمل، وأسى يبعث الرجاء.

فمن رحم الظلام يولد الفجر، ومن هنا عشنا الصحوة، كما عشنا المحنة. وكان تطلعنا إلى غد الإسلام المشرق، بل يقينًا به. وهذا ما جعلني أختار لهذه المجموعة عنوان: "المسلمون قادمون".

فقد قدر لجيلنا أن تكويه مشاعر الحزن والحسرة على مصاير المسلمين ومآسيهم التي تصابحه وتماسيه، وتراوحه وتغاديه. ولكن كان من فضل الله علينا أنه يجعل من المحنة منحة؛ ليتميز الخبيث من الطيب، ويمحص الله الذين آمنوا، ويمحق الكافرين.

في هذه القصائد دموع وشموع، ونجوم ورجوم، وآلام وآمال، أهم ما فيها: أنها تُعبر عن خلجات نفسي بصدق، وأنها صرخات مقاتل مكلوم في معركة كبرى لا يملك فيها إلا الكلمة سلاحًا، والحق درعًا، والإيمان حصنًا.

لقد وقفت طويلًا أمام آخر آية في سورة الشعراء، وهي التي وصف الله فيها الشعراء المستثنين من الذم: {إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ} (الشعراء:227) .

لقد لاح لي من سر هذا الوصف: {وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ} أن الشاعر المؤمن يعيش أبدًا في معركة ينتصر فيها للحق المظلوم أمام الباطل الظالم، وأنه يُقاتل بالحرف إذا كان غيره يقاتل بالسيف.

كما توحي الآية: أن الحق سيعلو، وأن العدل سيسود، وأن الظلم إلى زوال: {وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ} .

 

يوسف القرضاوي