كان من أهم ما حدث في تلك السنة (أواخر شهر أكتوبر سنة 1975م): المشاركة في «مهرجان ندوة العلماء» بلكهنو بالهند، الذي دعا إليه الداعية الإسلامي الكبير حبيبنا العلّامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، رئيس ندوة العلماء، وذلك بمناسبة مرور خمسة وثمانين عامًا على تأسيس ندوة العلماء، التي قامت بدور مذكور مشكور، معروف غير منكور، في إقامة تعليم إسلامي، يأخذ من التراث ما صفا، ويدع ما كدر، يجمع بين العلم الواسع والإيمان الراسخ، يوفق بين صحيح المنقول وصريح المعقول، يرحب بكل جديد نافع، ويحرص على كل قديم صالح، يؤمن بثبات الأهداف ومرونة الوسائل، هو في الأولى في صلابة الحديد، وفي الثانية في ليونة الحرير.
قام على هذه الندوة منذ تأسيسها رجال كبار، جمعوا بين النقل الصحيح، والعقل الصريح، واغترفوا من التراث، ولم يغفلوا عن العصر: جمعوا بين عقلانية الفيلسوف، وروحانية المتصوف، وانضباط الفقيه، ولم يكتفوا بالرواية عن الدراية، ولا بالدراية عن الرواية، من هؤلاء الرجال الأفذاذ: العلّامة شلبي النعماني، مؤسس «دار المصنفين» في أعظم كره، ومؤلف: «السيرة النبوية» الشهيرة، التي كتبها بالأردو، والعلامة سليمان الندوي، مكمل سيرة النعماني، وصاحب المؤلفات القيمة، والتي نقل إلى العربية منها محاضراته في «مِدْراس» عن «السيرة النبوية»
وخصائصها، والعلّامة الشيخ عبد الحي الحسني - والد الشيخ أبي الحسن - مصنف كتاب: «نزهة الخواطر» في أعلام الهند ... وغيرهم من الرجال الربانيين الذين عَلِموا وعملوا وعلَّموا.
فكانت ندوة العلماء ومؤسساتها التعليمية مثل: «دار العلوم»، وكلياتها المختلفة في علوم الشريعة وعلوم اللغة العربية، ومعهد الفكر الإسلامي، وغيرها: نموذجًا يحتذى في الجمع بين الأصالة والمعاصرة. أراد العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي أن يجمع كبار علماء الأمة ودعاتها بهذه المناسبة، ليروا هذه المؤسسة الفريدة بأعينهم، ويلمسوا آثارها بأيديهم، ويتحسسوا حاجاتها بأنفسهم، ويساهموا في إقامة مشروعاتها المستقبلية، وهم على بينة من أمرها.
ولهذا لم يسعنا حين وصلتنا دعوة الشيخ إلا أن نلبي النداء، ونهرع إلى هناك، وكنا وفدًا من قطر مكونًا من: فضيلة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، وفضيلة الشيخ عبد المعز عبد الستار، والفقير إليه تعالى، وقد دعي عدد من علماء الإمارات على رأسهم: فضيلة الشيخ أحمد عبد العزيز المبارك، رئيس القضاء الشرعي، وعدد من علماء المملكة العربية السعودية ورجالها، ومن الكويت، والبحرين، ومصر، وسوريا، والأردن، وغيرها. وكان على رأس الوفد المصري الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر، وفضيلة الشيخ الدكتور محمد حسين الذهبي، وزير الأوقاف.
وصلت الوفود إلى دلهي، فاستقبلنا إخوة من الندوة في مطار دلهي، ومن دلهي ركبنا الطائرة إلى لكهنو، حيث وجدنا استقبالًاحافلًا في المطار، وقد ألبسونا عقودًا من الأزهار والورد، على عادة أهل تلك البلاد. ثم رأينا الاستعدادات الضخمة في مقر ندوة العلماء لاستقبال الضيوف، ونزلن في فندق من فنادق الدرجة الأولى في المدينة، وكان مسلمو المدينة «لكهنو» ومسلمو الهند عامة في خدمتنا، فما من مدينة في الهند إلا أرسلت ممثلين لها، وكأنا كنا ضيوفًا على مسلمي الهند جميعًا، فبالغوا في إكرامنا، حتى قال أخونا وصديقنا الدكتور محمد المهدي البدري - الذي جاء من عجمان من دولة الإمارات - مازحًا: لم يبق على الشيخ الندوي إلا أن يزوج كل ضيف هندية مسلمة!
وفي مقر الندوة أقيم سرادق ضخم يسع ألوفًا مؤلفة؛ لأن الندوة أقامت مؤسساتها في أطراف المدينة، وأخذت منطقة واسعة، فأمكنها أن تقيم حفلها الكبير بها. كان الحفل يضم المسلمين وغير المسلمين، فقد بهر الهندوس هذا الاستعداد الكبير، وعلموا أن شيوخًا كبارًا من العالم العربي والعالم الإسلامي سيحضرون، فرغبوا في المشاركة، وحضر ألوف منهم في المهرجان. كما أن كثيرًا منهم حضروا إكرامًا للشيخ الندوي، لما له مكانة كبيرة في الهند كلها.
وسمح الشيخ الندوي لأول مرة للمصورين أن يحضروا، ويلتقطوا الصور للحفل وللضيوف، وللمتكلمين، وقال الشيخ: إن علماء الهند لا يجيزون التصوير، ولكن لأجل خاطر إخواننا من علماء العرب سمحنا بالتصوير، نزولًا على رأيهم في إباحته. وكان المتبع في مثل هذه الأحوال: أن يكون الشيخ أبو الحسن الندوي هو رئيس هذا المهرجان أو المؤتمر، ولكنه أبى إلا أن يكون الرئيس هو شيخ الأزهر الشيخ عبد الحليم محمود.
وتحدث عدد من المدعوين، يقدمهم عريف الحفل، ولكن اثنين منهم حرص الشيخ الندوي على أن يقدمهم للجمهور بنفسه، أحدهما: العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، الذي يعرفه علماء الهند بآثاره العلمية، والذي له عناية خاصة بعلماء الهند وآثارهم العلمية، ولا سيما عالم لكهنو المحدّث الشهير الشيخ عبد الحي اللكنوي، الذي نشر الشيخ آثاره مثل: «الرفع والتكميل في الجرح والتعديل»، وغيرها، وعلق عليها تعليقات ضافية. والثاني، هو: يوسف القرضاوي، الذي ألبسه الشيخ ثوبًا فضفاضًا، وأضفى عليه من الصفات والمحاسن ما يليق بالمقدِّم لا الْمُقدَّم.
ارتجلت في الحفل الكبير الذي لا تكاد ترى آخره؛ كلمة قوية مركزة، أثرت في الحضور، حتى الذين لا يعرفون العربية تأثروا بها، ربما لأنها خرجت من أعماق القلب، فأثرت في القلوب، حتى قال لي الشيخ أبو الحسن: لعلك تعجب إذا علمت أن المسلمين الذين لا يعرفون العربية تأثروا بكلامك لما فيه من حرارة وحيوية، وإن لم يعرفوا معناه. وأعجب من ذلك أن الهندوس الذين حضروا الحفل تأثروا بكلامك وإن لم يفهموه!! قلت له: إنها نفحات ندوة العلماء وشيوخها هبت علينا، فما كان في كلامنا من خير، فهو منكم وإليكم. وقد قسم أعضاء المؤتمر إلى لجان، شاركت في إحداها، أظنها: لجنة التربية والتعليم، كما شاركت في لجنة الصياغة العامة لتوصيات المؤتمر.
كانت أيامنا في «كهنو» أيامًا طيبة، حافلة بالخير، فياضة بالحب، سعدنا فيها بإخوتنا وأحبابنا في الندوة، الذين عرفناهم من قبل، والذين لم نعرفهم: الشيخ محمد الرابع، والشيخ واضح رشيد، والشيخ سعيد الأعظمي، وغيرهم من العلماء والدعاة من أرباب القلم واللسان. وكانت دولة الهند - إكرامًا للشيخ أبي الحسن، واعترافًا بمنزلته في العالَم الإسلامي - قد استضافت عددًا من الضيوف، وهيأت لهم زيارة بعض المناطق السياحية، في دلهي، وفي تاج محل، وغيرها.
وكان الشيخ عبد الحليم محمود، والشيخ الذهبي، والشيخ الأنصاري، والشيخ عبد المعز، وأنا، ممن نزلوا ضيوفًا على الدولة، وذهبنا للسلام على رئيس الجمهورية، وكان مسلمًا، وهو الدكتور ذاكر حسين، والمعروف أن رئيس الجمهورية في الهند ليس له سلطات تذكر، وإنما السلطة في قبضة رئيس الوزراء، على غرار النظام الإنجليزي، فرئيس الجمهورية يملك ولا يحكم. وقد دعانا رئيس الجمهورية على الغداء، ثم رافقنا عدد من رجال الحكومة لزيارة بعض الأماكن المهمة التي يحرص السياح عادة على زيارتها، فزرنا القلعة الحمراء في دلهي، ومنارة قطب الدين، وغيرها.
وكان أهم معلم سياحي زرناه هو «تاج محل»، الذي هُيئت لنا زيارته بسيارات خاصة، وحجز لنا في أحد الفنادق هناك، وهو فعلًا تحفة هندسية معمارية فنية لا نظير لها، وهو يعد من عجائب الدنيا السبع، وقد أعده الملك «شاهجهان» - أحد ملوك المغول - ليكون قبرًا لزوجته التي يحبها. ولا ريب أن هذا من السرف والبذخ والترف المحرم في الإسلام: أن تنفق ألوف الألوف من أموال الدولة على مقبرة لميت، مهما تكن منزلته، وقد أنكر هذا كثير من الدعاة والمفكرين الإسلاميين، ولعل أشدهم في ذلك كان الأستاذ أبا الأعلى المودودي.
ولكن ربما لو نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى: أن الرجل أراد أن يبين مبلغ الرقي العمراني والحضاري للمسلمين في دولته، وتمكنها من العلم والهندسة والفنون، وأن يكون البناء معْلَمًا دالًّا على عظمة الحضارة الإسلامية في الهند ... لو نظرنا للأمر بهذه العين: ربما وجدنا له عذرًا. كما بنى المصريون الفراعنة «الأهرام» مقابر لملوكهم، ولكنها بقيت آثارًا دالة على شموخ المدنية المصرية القديمة، وارتقائها في فن المعمار، إلى مدى لم يعرف سره البشر إلى اليوم.
ومن المهم، أن نعلم أن كل المعالم السياحية التي تباهي بها الهند وتفخر: هي معالم إسلامية، فلم نكد نجد شيئًا له قيمة يمكن أن يزار غير
ما خلفه المسلمون.
كانت هذه أول مرة أزور فيها الهند، وهي زيارة لا شك نافعة، تعلمت منها الكثير، ورأيت فيها الكثير، وفي ختامها دعانا سفير قطر في الهند - ولا أذكر: أكان الأستاذ شريدة الكعبي أم الدكتور حسن نعمة - على الغداء في بيته، وشكرنا له حسن ضيافته، وطلبت منه أن يحجز لي للعودة إلى قطر، فأنا مرتبط بعملي الجامعي، ولا أستطيع أن أتغيب عنه كثيرًا.
وحجزت السفارة العودة لي عن طريق «بومباي» التي بت فيها ليلة في ضيافة القنصلية القطرية هناك، ورأيت في بومباي ما رأيته في دلهي: مناطق تراها غاية في النظافة والرقي والتحضر، وأخرى غاية في الفقر والقذارة حتى ليكاد الناس لا يجدون ما يسترهم. وقيل لي في بومباي: إن هنا أناسًا يولدون ويعيشون ويموتون في الشارع لا بيوت لهم!! إنها الطبقية الصارخة، التي تجعل بعض البشر كالآلهة، وبعضهم أدنى مرتبة من الحيوان!!
زيارة وفد اتحاد الطلبة المسلمين بأمريكا:
ومن أهم أحداث هذه السنة: زيارة وفد من اتحاد الطلبة المسلمين في أمريكا (MSA) لدولة قطر، وكان الوفد يتكون من ثلاثة من الإخوة المسئولين عن الاتحاد، منهم: الأخ الدكتور التيجاني أبو غديري، وهو سوداني الأصل، والأخ الدكتور جمال برازنجي، وهو عراقي الأصل، ونسيت الثالث.
وقد زاروا الأمير الشيخ خليفة بن حمد، وتحدث الأخ جمال البرازنجي، فكان حديثه في غاية التوفيق، فلخص له دورهم الذي يقومون به أحسن تلخيص، وعرضه أجمل عرض، كما بيّن حاجاتهم ومطالبهم التي ينشدونها من قطر، وتتحدد في أن تساهم قطر في بناء مركزهم الذي يريدون بناءه في منطقتهم التي اختاروها في ولاية «إنديانا بولس»، وأعتقد أن الأمير انشرح صدره لهم، ووعدهم خيرًا، وسافروا من قطر ليكملوا جولتهم في بلاد الخليج، وكلفوني أن أتابع الأمر أنا، والشيخ عبد المعز عبد الستار، مع الأمير.
وقد وجهوا دعوة بعد ذلك إليَّ عن طريق الجامعة، لأشارك في مؤتمرهم السنوي الذي يعقد في شهر مايو من كل عام، ووافقت الجامعة على سفري للمؤتمر، وقابلت الأمير وذكرته بوعده للوفد الذي زاره، فكتب لهم شيكًا بمبلغ نصف مليون دولار لبناء مكتبة مركزهم، وتكون باسم أمير دولة قطر، وكلفني أن أحمل الشيك معي، وأقدمه إليهم، معونةً من الأمير لهم.
السفر إلى أمريكا:
وفي الموعد المحدد، تهيأت للسفر إلى أمريكا، لأول مرة، وقد كانت زوجتي ترافقني، حيث الطريق طويل، ويحتاج المرء فيه إلى رفيق يهوّن عليه طول الرحلة، ووعثاء السفر. فرأيت أن أصطحب زوجتي، ونقطع تذكرتين على الدرجة السياحية بثمن تذكرة الدرجة الأولى المصروفة لي، فإن الدرجة السياحية مع الرفقة المؤنسة خير من الأولى مع الانفراد في هذا السفر الطويل. وقد سافرت من الدوحة إلى القاهرة، وبت ليلة في القاهرة، ومنها قمت من الصباح الباكر لأسافر إلى لندن، حيث ركبت الطائرة الأمريكية TWA - على ما أذكر - من مطار لندن الساعة الثانية عشرة ظهرًا إلى نيويورك، ومنها إلى مطار شيكاغو حيث وجدت بعض الإخوة ينتظرونني، لأبيت هناك وألتقي بعض الإخوة الكرام، ونعقد جلسة فكرية روحية طيبة، في بيت أحد الإخوة، لعله الشيخ أحمد زكي حماد، الذي كان يقيم في شيكاغو في ذلك الوقت هو وأهله.
وفي اليوم التالي سافرت إلى مقر الاتحاد، وسلمت الإخوة؛ الشيك الذي حملني إياه الشيخ خليفة أمير قطر، تسلمه مني الأمين العام لاتحاد الطلبة المسلمين: الأخ الكريم الدكتور محمود رشدان، الذي كان شعلة متوقدة من الحيوية والنشاط، مع إيمان صادق، والتزام صارم، ووعي بالحاضر، واستشفاف للمستقبل، ومرونة بصيرة في التعامل مع الأحداث. وكان الاتحاد قد مر بدور الطفولة ثم الصبا، وقد بدأ دور الشباب، وهو دور القوة والحيوية والنشاط الدافق، وقد بدأت تنبثق منه جمعيات وأجهزة ومنظمات لها قيمتها ووزنها.
مثل: جهاز التعليم الذي يشرف عليه الأخ التيجاني أبو غديري.
ومثل: جهاز «الوقف الإسلامي» الذي يشرف عليه الأخ جمال برزنجي.
ومثل: جهاز آخر، يشرف عليه الأخ الدكتور هشام الطالب.
ومثل: رابطة العلماء الاجتماعيين، ويشرف عليها الدكتور إسماعيل الفاروقي.
وكذلك الجمعية الطبية الإسلامية، وجمعية العلماء والمهندسين المسلمين.
وهكذا أطلعني الإخوة على مؤسساتهم وفروع أنشطتهم، مما زادني اطمئنانًا على سداد خطواتهم، ورشد مسيرتهم.
وقد بقينا في مقر الاتحاد يومين ثم انتقلنا إلى مدينة «بولمنتو» حيث يعقد المؤتمر، وهي المدينة التي يقيم فيها الأخ النشيط المتحرك الواعي: مانع الجهني من طلاب السعودية. كان الإخوة يستأجرون عادة مساكن إحدى المدن الجامعية في إحدى الإجازات لعدة أيام، ليستفيدوا من حجرات المساكن، ومن المطاعم، والقاعات، والساحات.
وكانت هذه الأيام كلها نشاطًا مكثفًا: فكريًّا، وروحيًّا، ورياضيًّا، واجتماعيًّا.
وكان كل مؤتمر يدور حول محور معين تلقى فيه محاضرات، وتدار حوله الأسئلة والمناقشة، وهناك محاضرات عامة للجميع. وهناك حلقات ولقاءات نوعية خاصة، مثل لقاء للنساء، أو لقاء لذوي اختصاص معين. وكان التركيز شديدًا عليَّ، فكنتُ أشارك في المحاضرات العامة، وألتقي لقاءات خاصة، ولا سيما مع الأخوات، ونعقد جلسة عامة للإجابة عن الأسئلة الفقهية والدعوية، وأقول كلمات موجزة بعد الصلوات، وبخاصة صلاة الفجر.
ونظرًا لاختلاف التوقيت في أمريكا عن الدوحة اختلافًا شاسعًا، فقد أصبح نهاري ليلًا، وليل نهارًا، واختلاف نوع الأكل عما اعتدته في قطر، وانشغالي الشديد بالنشاط، فقد نسيت نفسي، فلم أدخل المرحاض للتبرز أكثر من ثمانية وأربعين ساعة، وأصابني إمساك شديد، لم أستطع أن أخرج ما تخرجه أمعائي الغلاظ، رغم تكرار المحاولة والمعاناة، التي جعلتني أتلوى من الألم، ولا أخرج شيئًا، وكانت نتيجة ذلك: أن أصبت بشرخ في الشرج، ظللت أشكو منه عدة سنوات، ولم أشف منه إلا بعملية جراحية أجريتها في «مستشفى الرميلة» بالدوحة. أجراها د. النجار، أستاذ الجراحة في طب الأزهر. وكان طبيبًا زائرًا، استدعاه المستشفى للقيام ببعض العمليات المهمة. وكان من الأطباء المتميزين في الجراحة، وفي هذه العملية خاصة، جزاه الله خيرًا.
على أن الإخوة المسئولين عن المؤتمر، أحضروا لي طبيبًا ممن يشاركون في المؤتمر، وهم كثر، والحمد لله، وقد نصح باستعمال الحقنة الشرجية، لتسهيل إنزال المخزون في البطن، وبعد ذلك تمشي الأمور طبيعية، وخصوصًا مع مراعاة الإكثار من الخضراوات والفواكه ونحوها مما يجنب المرء الإمساك المحظور.
الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء:
وكان الإخوة قد اعتادوا في مؤتمراتهم: أن يصلوا كل صلاة في وقتها، مع أن (99%) من المشاركين مسافرون، وكان الإعداد للصلاة يأخذ من الإخوة جهدًا ووقتًا ليس بالقليل، فالمنطقة التي تقام فيه الصلاة مشغولة في العادة بأشياء، فلا بد أن تفرغ من كل ما فيها من نشاط، وأن تفرش، ويطوى الفرش بعد الصلاة.
فقلت للإخوة: لماذا لا نأخذ برخصة الجمع، ونحن في هذا المؤتمر أحوج ما نكون إليها، لازدحام الوقت بالنشاط المكثف، ولأن أداء كل صلاة في وقتها يرهقنا من أمرنا عسرًا.
قالوا: إن إخواننا من الهند وباكستان يرفضون الجمع؛ لأنهم أحناف، والمذهب الحنفي - كما تعلم - لا يجيز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة في الحج.
قلت: لهم أن يقلدوا غير مذهبهم في هذه القضية، ولا سيما أن القول فيها أرجح، والحاجة إليه ماسة، والله يحب أن تؤتى رخصه، ولا داعي للتعصب المذهبي، والتعسير على سائر الإخوة.
أنا سأدعو إلى الْجَمْع بين الصلاتين إذا أقمنا صلاة الظهر، ومن قبل قولنا صلى وراءنا، ومن لم يقبل صلى ما شاء بعد ذلك، وعندما أقيمت الصلاة أخبرتهم بما سنفعل، وسكت الإخوة على مضض، وأكثرهم صلى خلفي، ثم ما لبثوا أن صلوا جمعًا، وقالوا: ما كان أغبانا! عسرنا على أنفسنا ما يسر الله.
وبذلك وفرنا الجهد والوقت، وأصبح هذا هو المعمول به في كل المؤتمرات بعد ذلك، والحمد لله.
مؤتمر للإخوة والأخوات جميعًا:
كان مؤتمر الاتحاد يضم الإخوة والأخوات، ويحضر الجميع المحاضرات، ويشارك الجميع - رجالًا ونساء - في الأنشطة المشركة، ثم تكون حلقات خاصة للنساء. وكان الرجال عادة يجلسون في جانب والنساء في جانب، وأحيانًا يكون الرجل وعائلته: هو وزوجته وأبناؤه وبناته يأخذون مكانهم في أحد الصفوف، وعائلة أخرى بجوارهم، فهناك أماكن مخصصة للعائلات، وأماكن أخرى للعزاب، أو للرجال الذين ليس معهم عائلاتهم.
لم يكن كل الحضور عربًا، بل كان منهم الهنود والباكستانيون والماليزيون والأمريكيون وغيرهم ممن لا يعرفون العربية، وكان لا بد من مترجم ينقل معنى كلامي إلى الإنجليزية، وكان هناك أكثر من مترجم، ولكن أفضل مترجم لي كان هو الأخ العلامة الدكتور جمال بدوي، فقد كان لجودة معرفته باللغتين: العربية والإنجليزية، ولخلفيته العلمية الإسلامية، ولروحه الدعوية، كان ينقل كلامي بمعانيه وأفكاره، وبروحه وحرارته، وقد قال لي الشيخ أبو الحسن الندوي في لكهنو: إننا إذا وجدنا من يترجم معاني كلامك، فأنى نجد من يترجم حرارتك وحيويتك؟ ولكني وجدت الدكتور بدوي، يترجم الفكر والروح جميعًا، بارك الله فيه، ونفع به.
بعد انتهاء أيام المؤتمر، عدنا إلى مقر الاتحاد، ومن هناك رتب الإخوة عدة زيارات لبعض المدن، ومنها: مدينة «نيوجرسي» التي تعد لنيويورك، مثل الجيزة للقاهرة، فهما متصلتان.
إلى مدينة نيوجرسي:
وفي نيوجرسي يوجد مركز إسلامي قوي، فيه حركة ونشاط، ويقوم عليه عدد من الإخوة معظمهم مصريون، وإمامه عالِم أزهري مصري كبير، هو أستاذنا الدكتور سليمان دنيا، أحد علماء الأزهر المتمكنين، وأحد أساتذة العقيدة والفلسفة، الذين دخلوا تخصص المادة، وحصلوا على شهادة العالمية من درجة «أستاذ» بامتياز، وابتعث إلى لندن، مع زميليه: حمودة غرابة، ومحمد بيصار، لإتقان اللغة الإنجليزية، والحصول على الدكتوراه من لندن، وقد أحيل على التقاعد، واختار أن يقيم في أمريكا إمامًا ومستشارًا دينيًّا لهذا المركز الإسلامي الكبير، وقد سعدت بالتعرف عليه وجهًا لوجه، بعد أن كنت أعرفه بالاسم وقراءة كتبه فقط.
كان هذا المركز في الأصل كنيسة اشتراها المسلمون، وحولوها إلى مركز إسلامية، يسع أنشطتهم المختلفة، وأولها: الصلاة، ففيها صالة كبيرة ومنصة، تتحول عند الصلاة إلى مسجد جامع، تتراص فيه الصفوف، وفق علامات معينة، ترسم خطوطًا، تحدد القبلة.
وبعد الصلاة يجلس الناس في هذه القاعة الكبيرة، التي تتحول إلى قاعة محاضرات، يجلس المتحدثون فيها على المنصة المعدة لذلك من أول الأمر، ويجلس الناس فيها على الكراسي، ويولون وجوههم شطر المنصة.
جنوح إلى التشديد لا مبرر له:
وهنا وجدنا - كالعادة - بعض الإخوة الذي يجنحون إلى التشديد والتعسير، يعترضون - فيما يعترضون عليه - على جلوس الناس على الكراسي، وتوجهم إلى غير القبلة في الجلوس، وعلى لبس «البنطلونات» ولبس الساعة في اليد اليسرى، بدل اليمنى ... إلخ. نظم الإخوة لي محاضرة في المركز، لا أذكر موضوعها، وبعد المحاضرة: يخصص وقت للأسئلة للإجابة عنها ما وسعنا الوقت والجهد.
وكان من الأسئلة هذه الأشياء، التي يعترض بها الإخوة الذين يوصفون بأنهم: «سلفيون»، وقلت للإخوة: إن الإسلام يقوم على التيسير، كما قال تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ} [البقرة: 185]، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖ} [الحج: 78]، وقال رسوله: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» رواه البخاري، وقال: «يسروا ولا تعسروا» متفق عليه، والمسلمون في هذه البلاد خاصة - ومثلهم كل من يعيش خارج المجتمعات الإسلامية - أولى الناس بالتيسير ورفع الحرج عنهم، لبعدهم عن دار الإسلام، والله يحب أن تؤتى رخصه.
والمسلمون ينتهزون يومي الإجازة: السبت والأحد، ليلتقوا فيها في هذا المركز وأمثاله، ليتعلموا دينهم، ويتدارسوا أمورهم، ويتفاهموا ويتوادوا، ويقترب بعضهم من بعض، وهم يقضون سحابة النهار - وربما بعض الليل - في المركز، ويتغدون فيه، وقد يتعشون أيضًا، ولا بد أن نهيئ لهم أسباب الراحة، حتى يمكثوا هذه المدة دون تعب كثير، وتوفير المقاعد والكراسي التي اعتادوا الجلوس عليها مما يساعدهم على ذلك.
والاتجاه إلى القبلة في الجلوس: أدب من الآداب، وليس فرضًا ولا واجبًا ولا سنة مؤكدة، وخصوصًا إذا عارضه ما هو أهم منه، وهو ضرورة الجلوس في مواجهة المنصة التي يجلس عليها المتكلمون.
وأما لبس البنطلونات، فهو مطلوب في هذه البلاد؛ لأن الأزياء تتغير بتغير الأعراف، والإسلام لم يلزمنا بزي معين نراه وحده الزي الشرعي، لكن له مواصفات لا بد من مراعاتها: من ستر العورة، وأن لا يشف ولا يصف، وأن لا يكون زيًّا اختص به الكفار، وهو يريد أن يتشبه بهم، وقد أصبح هذا الزي معتادًا في كثير من بلاد العالم، ومنه بلاد المسلمين، فإذا كان الناس في مصر والشام والعراق والمغرب والخليج وباكستان، يلبسون هذا الزي، فكيف لا يلبسه المسلم الذي يعيش في قلب أمريكا نفسها؟ بل الأولى أن يلبس لبسهم - ما دام غير محرّم - حتى يكون قريبًا منهم، غير مخالف لهم، فهذ أدعى إلى تأثيره فيهم، وتجاوبهم معه. ونحن ندعو إلى أن يندمج المسلم في المجتمع لا أن ينعزل عنه، ما دام محافظًا على هويته الدينية.
سؤال من المسلمين الجدد حول الصوم:
وهنا سأل أحد الإخوة الأمريكيين الجدد سؤالًا، حول أمر الصيام، وهو: لماذا اختار الإسلام للصيام شهرًا قمريًّا يتنقل بين الفصول الأربعة، ولم يثبّته في شهر شمسي بحيث يظل ثابتًا لا يتغير؟
وقبل أن أجيب عن السؤال قام شيخنا إمام المسجد رحمه الله تعالى فقال للسائل: كل من له سؤال في العبادات يحتفظ به؛ لأننا ندرس فقه العبادات للمسلمين الجدد، كل يوم ثلاثاء، هنا في المركز، ونحن ندرس الفقه في كتاب يدرس في القسم الثانوي بمعاهد الأزهر الشريف، وهو: «الشرح الصغير على الدردير»، وسكتُّ، ولم أعلق على كلام شيخنا، فلم يكن من اللائق أن أرد عليه أمام الناس، ولكني بعد ذلك أشرت إليه: أن هذا الكتاب يستصعبه طلاب الأزهر، وهم عرب متخصصون، فكيف يسهل على مسلمين جدد غير متخصصين يدرسونه بغير العربية؟ وإذا كان الشيخ يُدرسهم الآن فقه الطهارة، فمتى يصل إلى الصوم؟ على أنه لو وصل إليه لن يجد فيه جواب السؤال الذي طرح.
وجواب السؤال واضح، وهو: أن يتعبد المسلم لربه سبحانه بالصيام في كل فصول السنة، ما كان فيها حارًّا، وما كان باردًا، وما كان معتدلًا، ما كانت أيامه قصيرة، وما كانت أيامه طويلة، وهذا يدل على قوة الإذعان والطاعة والاستجابة لأمر الله في سائر الأحوال.
رسالة من الشيخ المجذوب:
كان الشيخ محمد المجذوب من دعاة سوريا، الذين يجمعون بين العلم والأدب والشعر. وكان قد ترك سوريا، كما تركها كثير من أبنائها المخلصين من أهل العلم والدعوة، فرارًا من طغيان حكم البعث النصيري المتعصّب. وكنت لقيت المجذوب، وتعرفت عليه عند الشيخ العلامة الدكتور مصطفى السباعي، حينما لقيته في المدينة في موسم الحج سنة (1384هـ - 1964م). كما تعرفت عليه في المدينة المنورة مع أخي في الدعوة وزميلي في معهد طنطا: العالِم الداعية الشيخ محمد السيد الوكيل رحمه الله تعالى.
كما سمع الشيخ المجذوب عني من الإخوة السوريين الذين يعملون في قطر، ولا سيما زوج ابنته «أبو العز» الأستاذ محمد نعسان عرواني، مدرس التاريخ، وزميلنا في قطر لعدة لسنوات، وقد كان مثالًا عاليًا في الأدب وحسن الخلق، وسلامة الذوق، وحسن التعامل مع إخوانه.
وقد أراد الشيخ المجذوب أن يصنف كتابًا بعنوان: «علماء ومفكرون عرفتهم»، وخطط لأن يكون اسمي فيهم، وأرسل إليَّ رسالة مطولة، يرجوني فيها: أن أجيب عن أسئلته التي أرسلها إلى كل من سيكتب عنهم، لتعينه على استكمال فكرته عن الشخص، ورسم صورة له أقرب ما تكون إلى الحقيقة.
وكنت في أول أمري متثاقلًا أو متكاسلًا عن إجابة الشيخ، ولكنه استعان عليَّ بصهره وإخوانه في قطر، فدفعوني إلى تحقيق ما طلب، وأجبته عن أسئلته، إجابة مفصلة بعض التفصيل، وقد سر بها، وشكرني عليها. وصدرت في الجزء الأول من كتابه المذكور، والذي ضم عددًا من أعلام العلم والفكر والدعوة، وكنت عندما أرسل إليَّ كتابه أخطو إلى الخمسين من عمري.
وقد لقيني قبل أن يرحل إلى العالَم الآخر بقليل، وقال: إنه يحاول الآن تحديث كتابه، وأرسل إلى كل من كتب عنهم، أن يضيفوا، أو يهذبوا ما شاءوا من ترجماتهم، فلعلك تبعث إليَّ بما يعن لك في ذلك، فشكرت له، وقلت له: أدعو الله أن يعينني على ذلك. ولكن الأقدار لم تسعفني فبقيت الترجمة على ما هي عليه.
رسالة مهمة من الشيخ عبد العزيز بن باز:
ومما أذكره من وقائع تلك المدة من الزمن: أني تلقيت رسالة من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، علّامة الجزيرة العربية، والمفتي العام للمملكة العربية السعودية، خلاصتها: أن وزارة الإعلام طلبت رأيه في كتابي: «الحلال والحرام في الإسلام»؛ لأن بعض الناشرين طلبوا من الوزارة أن «تفسح» له، وكلمة «الفسح» غدت مصطلحًا معروفًا في المملكة، يقصد به: الإذن بنشر الكتاب ودخوله في السعودية.
وكان الشيخ صالح الفوزان من شباب علماء المملكة قد أثار ضجة بما كتبه في الصحف، وأصدره في كتابه سمَّاه: «الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام»، وهو يمثل وجهة النظر السلفية في المسائل الخلافية المعروفة من قديم، مثل: تغطية وجه المرأة، هل هو واجب أو لا؟ وحكم خروج المرأة للتعلم والعمل، وحكم الغناء بآلة وبغير آلة، وحكم التصوير الزيتي والضوئي، وغير ذلك، مما تتفاوت فيه فتاوى المفتين بين ميسر ومعسر، وبين من يميل إلى الظاهر، ومن يرجح الالتفات إلى المقاصد.
فلا غرو أن ذكر الشيخ ابن باز بأدب العالِم الكبير، ورفق الداعية البصير: أنه يريد أن يفسح للكتاب، وأن يشترى كمية كبيرة منه لتوزيعه، لما فيه من نفع للمسلمين لسلاسته وجمال أسلوبه، وأخذه بمنهج التيسير، ولكن المشايخ في المملكة خالفوه في ثمانية مسائل. وسرد الشيخ رحمه الله تعالى هذه المسائل الثمانية، ومنها: ما يتعلق بزي المرأة وعملها، وما يتعلق بالغناء والسماع، وما يتعلق بالتصوير، وما يتعلق بالتدخين، وأني لم أحسم الرأي فيه بالتحريم، وكذلك لعب الشطرنج، وما يتعلق بمودة غير المسلم ... إلخ. والشيخ يؤيد تحريم هذه الأمور كلها.
وقال الشيخ رحمه الله تعالى: وإن كتبك لها وزنها وثقلها في العالَم الإسلامي، وقبولها العام عند الناس؛ ولذا نتمنى لو تراجع هذه المسائل، لتحظى بالقبول الإجماعي عند المسلمين. والواقع: أني ظللت محتفظًا بهذه الرسالة سنين طويلة، ثم اختفت مني، ويبدو أنها غرقت في بحر الأوراق الخضم الذي عندي، والذي قل أن ينجو ما غرق فيه!(1)
هذا، وقد رددت تحية الشيخ بأحسن منها، وكتبت له رسالة رقيقة، تحمل كل مودة وتقدير للشيخ، وقلت له: لو كان من حق الإنسان أن يدين الله بغير ما أداه إليه اجتهاده، ويتنازل عنه لخاطر من يحب، لكان سماحتكم أول من أتنازل له عن رأيي، لما أكن لكم من حب وإعزاز واحترام، ولكن جرت سنة الله في الناس أن يختلفوا، وأوسع الله لنا أن نختلف في فروع الدين، ما دام اختلافًا في إطار الأصول الشرعية، والقواعد المرعية. وقد اختلف الصحابة والتابعون والأئمة الكبار، فما ضرهم ذلك شيئًا، اختلفت آراؤهم، ولم تختلف قلوبهم، وصلى بعضهم وراء بعض.
والمسائل التي ذكرتموها سماحتكم، منها: ما كان الخلاف فيها قديمًا، وسيظل الناس يختلفون فيها، ومحاولة رفع الخلاف في هذه القضايا غير ممكن، وقد بيّن العلماء أسباب الاختلاف وألَّفوا فيها كتبًا، لعل من أشهرها كتاب شيخ الإسلام: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام».
ومن هذه المسائل: ما لم يفهم موقفي فيها جيدًا مثل: موضوع التدخين، فأنا من المشددين فيه، وقد رجحت تحريمه في الكتاب بوضوح، إنما وهم من وهم في ذلك؛ لأني قلت في حكم زراعته: حكم الزراعة مبني على حكم التدخين، فمن حرم تناوله حرم زراعته، ومن كره تناوله كره زراعته، وهذا ليس تراجعًا عن التحريم.
وأما مودة الكافر، فأنا لا أبيح موادة كل كافر، فالكافر المحارب والمعادي للإسلام وللمسلمين لا مودة له، وفيه جاء في هذا قوله تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22]. ومحادة الله ورسوله ليست مجرد الكفر، ولكنها المشاقة والمعاداة.
وتعلم سماحتكم أن الإسلام أجاز للمسلم أن يتزوج كتابية، كما في سورة المائدة: {وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ} [المائدة: 5]، فهل يحرم على الزوج أن يود زوجته، والله تعالى يقول: {وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةً} [الروم: 21]؟ وهل يحرم على الابن أن يود أمه الكتابية؟ أو يود جده وجدته، وخاله وخالته، وأولاد أخواله وخالاته؟ وكلهم تجب لهم صلة الرحم، وحقوق أولي القرب.
على كل حال، أرجو من فضيلتكم ألا يكون الاختلاف في بعض المسائل الاجتهادية الفرعية حائلًا دون الفسح للكتاب، وها هو ذا الشيخ الألباني يخالفكم في قضية حجاب المرأة المسلمة، فهل تمنعون كتبه؟ وختمت الكتاب بالتحية والدعاء ... وأعتقد أن الشيخ استجاب لما فيه، وفسح لكتاب: «الحلال والحرام» ولغيره من كتبي، والحمد لله(2).
مسابقة القرآن الكريم للمدارس:
ذكرت فيما سبق: أن من السنن الحميدة التي سنتها وزارة التربية والتعليم في قطر - باقتراح من فضيلة الشيخ عبد الله بن تركي، رئيس تفتيش العلوم الشرعية - إقامة مسابقة في حفظ القرآن وتلاوته، مفتوحة لجميع الطلاب والطالبات في جميع مدارس قطر بالدوحة، وغيرها من مناطق قطر.
وكان الفائزون الأوائل الثلاثة من كل فصل يأخذون جوائز نقدية تشجيعية، وكانت المدارس تتنافس في ذلك، كما يتنافس الأبناء والبنات، في حفظ كتاب الله تعالى: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ} [المطففين: 26]. وقد أدى ذلك إلى تسابق كثير من الطلاب والطالبات في حفظ القرآن، وأن تجد البيوت قبيل الامتحان مشغولة بالقرآن. كما فتحت الوزارة جزاها الله خيرًا، باب التسابق للطلاب ولغير الطلاب في حفظ القرآن كله، أو نصفه أو أجزاء منه، ويعطى الحافظ جائزة قيمة على قوة حفظه وحسن تلاوته.
وكانت بناتي: إلهام وسهام وعلا ثم أسماء بعد: يدخلن كل عام هذه المسابقة ويفزن فيها، ويحصلن على جائزتها.
بل دخلت إلهام هذه المسابقة في الأجزاء الخمسة الأخيرة، ونجحت فيها، وحصلت على جائزتها، ودخلت سهام في ثلاثة أجزاء، وأسماء في جزأين.
عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة:
وفي شهر ذي القعدة من سنة (1395هـ - 1975م) وصلتني رسالة من فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن حمد العباد، نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة هذا نصها:
فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، الأستاذ بكلية التربية - قطر ظظظ
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
يسرني أن أبلغ فضيلتكم أنه صدر الأمر الملكي رقم (أ/233) في (29/9/1395هـ) بتعيينكم عضوًا بالمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية - بالمدينة المنورة - لمدة ثلاث سنوات طبقًا للمادة (13) من نظام الجامعة.
وأبعث مع كتابي هذا إليكم بصورة من الأمر السامي المشار إليه، ومن نظام الجامعة، وتوزيع الاختصاصات والصلاحيات التي وردت به.
وسوف نخطركم بموعد الدورة الأولى لانعقاد المجلس الأعلى في وقت لاحق، إن شاء الله، نأمل أن يكون قريبًا.
وإني لأسأل الله تتت أن يعينكم ويسدد خطاكم، وأن يوفقنا جميعًا لخدمة هذه الجامعة والنهوض برسالتها السامية رسالة الإسلاة الخالدة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نائب رئيس الجامعة الإسلامية
عبد المحسن بن حمد العباد
ومع الخطاب الأمر الملكي الصادر من الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود بتعيين ثلاثة عشرة عضوًا، بعضهم بشخصه، مثل: الشيخ الندوي، والشيخ الغزالي، والشيخ الألباني، والشيخ ابن الخوجه، والشيخ غوشه، ود. كامل الباقر، والشيخ صالح الحصين، ود. أحمد الكبيسي، والفقير إليه تعالى، وبعضهم لوصفه، مثل: مدير جامعة الأزهر، ومدير جامعة الرياض، ومدير جامعة الملك عبد العزيز. وكان يمثل هذه الجامعات في هذه الدورة: الشيخ محمد فايد، عن الأزهر، والدكتور عبد العزيز الفدا، عن الرياض، ود. محمد عمر زبير، عن الملك عبد العزيز.
وكان رئيس المجلس الأعلى هو الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد والنائب الأول لرئيس الوزراء. وقد التقينا به أكثر من مرة في المجلس. ونائب الرئيس هو سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية.
وقد سعدت بعضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية خلال هذه الدورة، للعمل مع الإخوة الأعضاء، وكلهم خيار من خيار، وخصوصًا أننا نجتمع في رحاب مسجد الحبيب المصطفى وقبره عليه الصلاة والسلام، ونعمل في خدمة جامعة أنشئت للمسلمين في كل مكان، فكان فيها طلاب من ثمانين جنسية.
وقد رأس مجلسنا الأمير فهد بن عبد العزيز أكثر من مرة، على الأقل يحضر جلسة الافتتاح، ثم ينيب عنه نائبه الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى.
.........................
( 1) الحمد لله، لقد وجدتُ هذه الرسالة أخيرًا في هذا البحر، وأنا أنقل أغراضي إلى بيتي الجديد، وسيراها القارئ منشورة بنصها في الملاحق إن شاء الله.
(2) عثرت على رسالتي إلى سماحة الشيخ ابن باز، وسأنشرها بنصها في ملاحق هذا الجزء.
الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا
الشيخ الغزالي كما عرفته.. رحلة نصف قرن
من فقه الدولة في الإسلام
أصول العمل الخيري في الإسلام