د. سعيد عبد الله سلمان رحمه الله *

في مقر المعهد الديني الثاني، المستأجر من الشيخ فالح الأحمد آل ثاني عام 1962م، وبينما أهل الخليج جميعًا متيمون بالفكر الناصري، ومخدوعون بعبد الناصر؛ أرسل أحد أقطاب الفكر الاشتراكي، وأبرز أركان التنظيم الطليعي الناصري إلى قطر، حيث كان تجمع الإسلاميين في هذا الوقت في قطر. وإن كان هذا التجمع الإسلامي ليس فيه أفراد من القطريين في تلك الفترة، وكانوا كلهم من دول الخليج، ومن اليمن، ومن غيرها.

وبدأ هذا التعيس يتحدث عن الناصرية والاشتراكية، وكأنه يريد أن يصطدم به بعض الحضور، وأن يعلنوا صراحة معاداتهم للفكر الناصري، الذي كان المجتمع الخليجي عامة مغرمًا به، وأخذ يُرغي ويُزبد، ويعيد ويزيد.

وكان مما قاله: إنه ذاهب إلى جيش مصر، ذلك الجيش الذي يحارب البشر والحجر. بينما اليمنيون قد فعلوا بهم الأفاعيل في اليمن!

والشيخ يوسف بدبلوماسية راقية جدًا رحب به أحسن ما يكون الترحيب، وتلطف في الحديث معه، ثم انتقل إلى ما يريد أن يقوله هو بعبارته المتقنة، وأسلوبه الجذاب، وكلماته العاقلة؛ حتى سحب البساط من تحت قدمي الرجل، دون أن يشعر، ودون صدام.

هكذا لم يسكت الشيخ على باطل، ولم يجعل من نفسه أو إخوانه وقودًا لمعركة ليس هذا أوانها، وبطريقة ناعمة استطاع أن ينتصر لفكره دون أن يُشْعل أوار معركة لا طائل من ورائها، وذهب هذا التعيس ولم يرجع.

وهنا اكتشفت قدرة ودبلوماسية هادئة جدًا، لم أعرفها من قبل عن هذا الشيخ، وكيف تخلَّص من الموقف، وكيف خرج من ذلك المأزق!

......

* وزير التربية السابق في الإمارات

- المصدر: «العلامة يوسف القرضاوي.. ريادة علمية وفكرية وعطاء دعوي وإصلاحي».