السؤال: ما مدى صحة الحديث الذي يقول: "خذوا نصف دينكم عن الحميراء" يعني عائشة؟ وهل يتعارض مع حديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قول "خذوا نصف دينكم عن الحميراء" ليس بحديث، فلا يعرفه أهل الحديث ولا يعرفوا سنده، ويتعارض متنه مع الواقع؛ ولذلك لا يرد به الحديث الصحيح الثابت سندا ومتنا.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:

الجهل مصيبة كبيرة، فإذا اجتمع إليه الهوى كان الطامة الكبرى {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} (سورة القصص: 50)؛ لهذا لا نعجب - وقد توافر الجهل والهوى - أن يرد الحديث الصحيح، ويصحح الحديث المردود.

فالحديث الأول حديث صحيح مروي عن أبي بكرة رضي الله عنه، قال: لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسري قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي، وتلقاه علماء المسلمين في سائر الأعصار بالقبول، وبنوا عليه حكمهم بأن المرأة لا تلي على الرجال ولاية عامة.

بينما الحديث الآخر: "خذوا شطر دينكم عن الحميراء" قال فيه الحافظ ابن حجر: لا أعرف له إسنادًا ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير، ولم يذكر من خرجه، وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير أنه سئل المزي والذهبي عنه فلم يعرفاه.

هذا إذا نظرنا إلى الحديث من ناحية سنده ورواته.

فإذا نظرنا إليه من ناحية متنه وموضوعه، وجدنا العقل ينكره، والواقع يرده:

( أ ) فكيف يأمرنا النبي عليه السلام أن نأخذ نصف الدين عن الحميراء - أي عائشة - وحدها؟ وماذا نأخذ عن بقية الصحابة وهم كثير؟ وأي نصف نأخذ؟ وأي نصف ندع؟

( ب ) على أن كلمة "الحميراء" وهو تصغير تمليح لكلمة "حمراء" من كلمات التدليل والمباسطة التي يجوز أن يذكرها النبي عليه السلام في أحاديثه الخاصة لنسائه، غير أنه يبعد أن يذكرها في مقام التعليم والإرشاد العام للأمة كالمقام الذي معنا.

والواقع يدلنا أيضًا أن علماء الإسلام لم يأخذوا عن عائشة نصف الدين ولا ربعه ولا عشره، لا من جهة الرواية، ولا من جهة الدراية..

فمن حيث الرواية نرى ألوفًا من الصحابة - رجالاً ونساء - أسهموا في تبليغ هدي رسولهم أقوالاً وأفعالاً وأحكامًا وتقريرات، وعائشة فرد من هذا العدد الضخم مهما تكثر فلن تبلغ ما روى أبو هريرة.

ومن جهة الدراية والفقه والفتوى لا يقبل العقل ولا الواقع التاريخي أن تنفرد عائشة بشطر الدين. فأين نصيب الصحابة الكبار من أمثال أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأصحاب هذه الطبقة، ثم من خلفهم من الصحابة أمثال العبادلة الأربعة: ابن عمر وابن عباس وابن عمرو وابن الزبير وغيرهم؟

إن أحاديث الفضائل يجب أن تؤخذ بحذر شديد، وقد قرر الحفاظ أن أول معنى طرقه وضاع الحديث هو فضائل الأشخاص، وبخاصة الذين كان لهم أنصار مغالون وخصوم متطرفون، وعائشة رضي الله عنها من هؤلاء.

هذا، وفي آيات الكتاب العزيز من سورة النور وفي السنن الصحيحة والحسنة في فضل عائشة ما يغنينا عن حديث يتسم بالغلو والإفراط، وينكره العقل والواقع، وقد قال ابن الجوزي في مقدمة كتابه: "الموضوعات" (ما أحسن قول القائل): "كل حديث رأيته تخالفه العقول، وتناقضه الأصول، وتباينه النقول، فاعلم أنه موضوع".
والله أعلم

- المصدر: إسلام اون لاين