بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

مقدمة

 

الحمد لله وكفى، وسلام على رسله الذين اصطفى، وعلى خاتمهم المجتبى، محمد وآله وصحبه أئمة الهدى، ومن بهم اقتدى فاهتدى.

(أما بعد)

هذه صحائف كتبتها حول موقف الإسلام والمسلمين من قضية (العنف) هذا المصطلح الذي ذاع واشتهر، وملأ الآفاق، واتهم به المسلمون، بل اتهم الإسلام ذاته، بأنه دين يفرز العنف بطبيعة تعاليمه العقدية والعملية، من بداية نظرته إلى الألوهية، واعتقاده في الله الواحد القهار، المتكبر الجبار، إلى فرضه الجهاد على الأمة التي أمرت أن تجاهد في الله حق الجهاد.

وقد أردت بهذه الكلمات الموجزة: أن أكشف الحقيقة لمن يجهلها، وأن أذكر بها من يعلمها، وأن أرد المفتريات، وأزيح الشبهات عن هذا الدين العظيم، الذي ساهم بعض أبنائه في تشويهه جهلا منهم. وقديما قالوا: عدو عاقل خير من صديق أحمق!.

أرجو أن يكون في هذه الكلمات بعض الشفاء لما في الصدور، أما تفصيل القضية، فموعدها: بحثنا حول (فقه الجهاد) أدعو الله أن يعيننا على إتمامه على ما يحب ويرضى.

{رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} (الكهف: 10).

{رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التحريم: 8).

وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.

 

الفقير إليه تعالى

يوسف القرضاوي

الدوحة في شعبان 1429هـ.سبتمبر 2004م

 

 

الإسلام والعنف نظرات تأصيلية

 

 

العنف في اللغة

قال في القاموس: العَُِنف - مثلثة العين - مقابل الرفق. ومن اللغويين: من اقتصروا على ضم العين.

فكلمة العنف تتضمن معنى: الشدة والغلظة.

وقد جاءت بعض الأحاديث النبوية تقابل الرفق بالعنف، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".[1]

وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب الرفق، ويبغض العنف، ويدعو أصحابه إلى الرفق في كل شيء.

روت عنه عائشة قوله: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".[2]

وقال: "إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق. ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير".[3]

وقد لاحظت أن هذه المادة (ع ن ف) لم ترد في القرآن لا مصدرا ولا فعلا ولا صفة.

مصطلح (العنف) في عصرنا ومفهومه

وقد اشتهرت كلمة (العنف) في عصرنا، وأصبحت مصطلحا شائعا مجرَّما ومذموما، وهو يشمل مجالات عدة: في المجال الأسري: في العلاقة بين الزوج وزوجته، وبين الوالدين والأولاد، وبين رب الأسرة وربتها والخدم، وفي المجال الاجتماعي: في العلاقة بين أرباب العمل والعمال، وبين الأقوياء والضعفاء بصفة عامة. وفي المجال التربوي: في العلاقة بين المعلمين والتلاميذ. وفي المجال التشريعي: في تشديد العقوبات على المجرمين حيث يتهم بعض الغربيين (الحدود) أو العقوبات الإسلامية بالعنف والقسوة.

وأكثر ما اشتهر العنف في عصرنا في المجال السياسي، وهو المقصود بالحديث عند الإطلاق. وقد اشتد النكير عليه، والتجريم له في الآونة الأخيرة، وإن لم يحدده من أطلقوه وجرموه.

وأكثر من يُتهم بالعنف المسلمون، وأكثر من يتهمهم به الغربيون. والواقع يقول: إن الغربيين هم أكثر الناس عنفا، وإن المسلمين في العالم كله هم ضحايا هذا العنف، ودماؤهم وحرماتهم مستباحة في كل مكان.

وحديثنا في هذه الورقة عن (العنف السياسي) وموقف المسلمين منه.

فما المراد بلفظ: (العنف) في المجال السياسي الذي ذمّه من ذمّه، وجرّمه من جرّمه؟

وهل اتهام المسلمين بالعنف صحيح؟ وإن صح هذا، فهل الإسلام هو الذي دعاهم إلى العنف؟

فلنحاول أن نحدد ـ ولو بالمقاربة ـ مفهوم (العنف) المقصود في بحثنا هذا، وفي مؤتمرنا هذا.

العنف في المفهوم الشائع هو: استخدام القوة المادية أو العسكرية لقهر الخصوم بلا ضابط من شرع أو خلق أو قانون، وبلا مبالاة بما يحدث من جرائها من أضرار على المدنيين والبرآء. وقد يحدث هذا العنف من الأفراد، أو من الجماعات، أو من الحكومات.

ولكنا نلاحظ ـ عند التطبيق ـ أن بعض الجماعات تتهم بالعنف، وهي منه براء.

ولكن العنف فيما أرى هو: استخدام الشدة والغلظة، في غير موضعها، أو في غير أوانها، أو بأكثر مما يلزم، أو بغير حاجة إليها، أو بدون ضوابط استعمالها.

وإنما قلت: (الشدة)، ولم أقل: استخدام القوة المادية أو العسكرية، كما هو الشائع والمقصود لدى الكثيرين.

لأن العنف ـ في نظر الإسلام ـ لا يقتصر على القوة المادية أو العسكرية، بل العنف يشمل ـ فيما يشمل ـ الكلام والجدال.

والإسلام يرفض العنف بلا مبرر، سواء كان في القول أم في الفعل.

ولهذا كان منهج الدعوة في الإسلام قائما على الرفق لا على العنف، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)، وقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} (الإسراء: 53).

فأمر عباده المؤمنين أن يتحروا ـ في خطابهم لغيرهم ـ الكلمة التي هي أحسن، وليس مجرد الكلمة الحسنة، فإذا كانت هناك كلمتان أو عبارتان: إحداهما حسنة، والأخرى أحسن منها، فعلى عباده أن يختاروا التي هي أحسن.

وهكذا يجب أن يتحرى المسلم (الأحسن) في خطابه وفي جداله، وفي دفعه لسيئة غيره، كما قال سبحانه: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة التي تتجسد فيها المعاني والمثل العليا التي جاء بها القرآن، فقد كان خلقه القرآن. روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "استأذن رهط من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا (أي في تحيتهم للنبي): السام عليك (أي الموت والهلاك عليك) قلت: بل عليكم السام واللعنة! فقال: "يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قلت: أولم تسمع ما قالوا؟! قال: "قلت: وعليكم"!.[4]

فهؤلاء اليهود الخبثاء لم يراعوا أدب الخطاب مع الرسول الكريم، بل لوّوا ألسنتهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فبدل أن يقولوا: السلام عليكم يا محمد، قالوا: السام عليك! أي الهلاك والموت. ولكن الرسول الكريم لم يشأ أن يجعل من ذلك معركة، ورد عليهم قائلا: وعليكم، أي الموت يكون علينا وعليكم، وعلم زوجه عائشة الشابة المتحمسة الرفق في الأمر كله.

وإذا كان الإسلام يرفض العنف في القول، فأولى أن يرفض العنف في الفعل. بمعنى استخدام القوة المادية أو العسكرية في غير موضعها، أي بالحق والباطل، وفي العدل والظلم.

العنف عند عرب الجاهلية

وقد كان العرب في جاهليتهم يمدحون الاتصاف بأخلاق القوة والبطش، لا بأخلاق الرحمة والعدل. وحسبك أن تعلم أن منهم من قتلوا أولادهم - ولا سيما البنات - من إملاق واقع، أو خشية إملاق متوقع. وأفظع من ذلك أن يقتلوهم بطريقة الوأد {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} (التكوير: 8، 9).

يقول شاعرهم زهير بن أبي سلمى في معلقته:

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدّم، ومن لا يظم الناس يظلم!

فكأن الشاعر يحث الناس على أن يبدءوا هم بالظلم، حتى لا يُظلَموا، على نحو ما قال من قال: تغدّ بخصومك قبل أن يتعشوا بك!

وقال شاعر جاهلي آخر في معلقة أخرى اشتهرت، وهو عمرو بن كلثوم:

 

لنا الدنيا ومن أمسى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا

بغاة ظالمين، ومــا ظلمنا ولـكنا سنبدأ ظـالـمـينا

 

 

 

وفيها:

ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا!

وكان مما يساعد على انتشار هذه الأخلاق: (العصبية) العمياء، التي تجعل المرء ينتصر لقومه في الحق وفي الباطل، على ظاهر قولهم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما).

لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا!

وقد وُصِف أحد زعمائهم بأنه رجل إذا غضب: غضب له مائة ألف سيف لا يسألونه: فيم غضب؟!

فلما أكرمهم الله بالإسلام، أنشأهم خلْقا جديدا، فغير عقائدهم، وغير أفكارهم، وغير سلوكهم. وعلمهم استقامة الفكر، واستقامة الخلق، واستقامة السلوك، وأن يقوموا بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين، وألا يجرمنهم شنآن قوم وعداوتهم لهم على ألا يعدلوا، وأن يدوروا مع الحق حيث دار. فلا يشهروا سيفهم إلا لإحقاق حق، أو إبطال باطل، أو إقامة عدل، أو نصرة مظلوم.

وقد فسر لهم الرسول كلمة (انصر أخاك ظالما) تفسيرا جديدا: أن تمنعه من الظلم، فذلك نصرك له.

لقد أبطل الإسلام حروب الجاهلية، ودعا المؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة، وأن يخضع الجميع لقوة الحق، لا لحق القوة، مؤثرا السلم على الحرب، والتسامح على التعصب.

فهو لا يلجأ إلى القوة إلا مضطرا لدفع اعتداء، أو لدرء فتنة في الدين، أو لإنقاذ مستضعفين، أو نحو ذلك. مما يجعله يخوض المعركة كارها، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} (البقرة: 216).

ولكنه حين تنتهي المعركة بغير قتال، كما في غزوة الأحزاب، يعلق عليها بمثل هذه العبارات القرآنية: {وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} (الأحزاب: 25).

وما أروعها وأبلغها من كلمة تدل على مدى رغبة الإسلام في السلم، وحرصه عليه، (وكفى الله المؤمنين القتال) فلم يكن المؤمنون حريصين على القتال لذاته. ولكنهم يضطرون إليه اضطرارا.

وحين انتهت غزوة الحديبية بالصلح وتوقيع الهدنة ـ بعد أن كادت الحرب تندلع نارها، وبايع الصحابة نبيهم على الموت تحت الشجرة ـ نزلت سورة الفتح منوهة بهذا الصلح التاريخي، وفيها يخاطب الله رسوله: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا... الآيات) وسأل أحد الصحابة: أفتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم، هو فتح"[5] فلم يكن ليتصور فتحا بغير حرب ولا قتال.

ويعلم الرسول أصحابه فيقول: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".[6]

فهو يعتبر السلام من العافية المحمود التي يحرص عليها المسلم، ويدعو الله أبدا أن يوفرها له؛ فهو يسأله العافية في الدنيا والعفو في الآخرة: "اللهم إني أسألك العفو والعافية".[7]

بل كان النبي الكريم يكره مجرد كلمة (حرب) ولا يحب أن يسمعها، ولهذا قال: "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأقبح الأسماء: حرب ومرة".[8]

ولكن على المسلمين إذا ناداهم المنادي للدفاع عن الدين والنفس والأهل والوطن والحرمات: أن يهبوا سراعا، ولا يتخلفوا أو يثّاقلوا إلى الأرض، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ . إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا} (التوبة: 38، 39).

هل العنف طبيعة عند المسلمين؟

هذه هي طبيعة الإسلام، وموقف المسلمين، ولكنا ـ للأسف ـ نرى الغربيين يصورون المسلمين كأنما هم سباع مفترسة، وأن هذا ليس أمرا طارئا عليهم، وإنما هو كامن في ثقافتهم المتوارثة، التي يشب عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، والمستمدة من عقيدتهم.

فعقيدة المسلمين تقوم على الإيمان بإله جبار قهار منتقم، والمسلمون مطالبون أن يتخلقوا بأخلاق الله، فيتشبهوا به في جبروته وقهره وانتقامه، ولهذا لم تأخذ المسلمين في أعدائهم رأفة في دين الله، وقد أمر الله رسولهم بقوله: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} (التوبة: 73).

وهذا التصوير للمسلمين: خاطئ وظالم بلا ريب.

فالله تعالى في العقيدة الإسلامية، كما أنه موصوف بالجبروت والقهر والانتقام: هو موصوف كذلك بالرحمانية والرحمة والرأفة والإحسان والإنعام. كما قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة: 98)، { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الأنعام: 165)، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} (الرعد: 6)، (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) (الحجر: 49، 50) وانظر هنا كيف جعل المغفرة والرحمة من أسمائه، وجعل العذاب من أفعاله؟ {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} (غافر: 3).

وهكذا نجد التوازن بين أسماء القوة وأسماء الرحمة، بين أسماء الجلال وأسماء الجمال، كما يسميها علماء المسلمين.

ومن تدبر القرآن وجد أسماء الجمال والرحمة والإحسان هي الغالبة، وهي الأكثر ورودا وتكرارا في كتاب الله تعالى.

بل الواقع أن القرآن لم يذكر اسم (الجبار) لله تعالى إلا في موضع واحد، في أواخر سورة الحشر، ضمن مجموعة من الأسماء الحسنى، فقد قال تعالى: {هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ . هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر: 22، 24، 25). ومعنى اسم (الجبار): هو صاحب السطوة الذي يخضع الآخرين لإرادته، ويجبرهم على ما يريد.[9] ولذا وضع بين العزيز والمتكبر، وكلها تدل على القوة. وهذه مطلوبة لتهديد الطغاة والمستكبرين في الأرض بغير الحق، ليعرفوا حجمهم، في مقابلة قوة الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

ومع ذلك وضع معها اسم (السلام) الذي يتنادى به الناس اليوم، فلا غرو أن اشتهر بين المسلمين وحدهم: اسم (عبد السلام). وبجواره اسم (المؤمن) الذي يؤمن الناس من الخوف، ويهبهم الإيمان والأمان.

ولم يذكر اسم (القهار) في القرآن إلا ست مرات في سياقات تقتضيها: كما في سورة الرعد {قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الآية: 16). وكما في سورة يوسف حيث قال للسجينين معه، وقد كانا من عباد الأوثان: {يَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} ليقارنا بين آلهتهم المزعومة وبين هذا الإله العظيم.

وفي سورة (ص) حيث يقول تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الآية: 65). والله تعالى يأمر رسوله هنا: أن ينفي عن نفسه أي صفة من صفات الألوهية، وأنه ليس إلا منذرا، وأن الإله الحق هو الله الواحد القهار. فهذه الأسماء توضع في سياقها، لتحقق هدفا.

أما اسم (المنتقم) فلم يَرِدْ في القرآن مفردا بهذه الصورة، إنما جاء ـ بصيغة أخرى (ذو انتقام) في سياق الوعيد للكفرة والظالمين، كما في سورة آل عمران: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (الآية: 4).

وفي سورة إبراهيم في سياق التنديد بالظالمين وموقفهم من الرسل والأنبياء: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (الآية: 47).

وفي سورة الزمر في مجال الرد على من يخوفون الرسول بالأصنام! فقال تعالى: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} (الزمر: 36، 37).

وجاء بصيغة الجمع في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} (السجدة: 22).

وكذلك في سورة الدخان {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} (الآية: 16).

وكل هذه الأسماء تدل على صفات (الجلال) لله تعالى، كما أن هناك أسماء تدل على صفات (الإكرام) له سبحانه؛ فهو ـ كما وصف نفسه ـ (ذو الجلال والإكرام) (الرحمن: 27)، وقد يعبر عنها بصفات (الجمال). وهذه الصفات أو الأسماء أكثر ورودا في القرآن الكريم.

فإذا نظرنا إلى أسماء الرحمة والرأفة والمغفرة والبر والحلم والإحسان وغيرها، نجدها تكررت في القرآن مرات ومرات.

خذ ما يتعلق باسم الرحمن الرحيم، فنجد 113 سورة في القرآن بدأت بالبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم). ونجدها في سورة الفاتحة التي يتلوها المسلم في صلاته في اليوم (17) سبع عشرة مرة على الأقل في صلواته اليومية: (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم).

ونجد اسمي (الرحمن الرحيم) قد تكررا في القرآن مقترنين خمس مرات.

غير المرات المائة وثلاث عشرة في البسملة في أوائل السور.

ونجد قوله تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف: 156). فقيد العذاب بالمشيئة، وأطلق الرحمة بلا قيد.

ونجد في دعاء الملائكة للمؤمنين: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} (غافر: 7).

ونجد في القرآن سورة تسمى (سورة الرحمن) بدأت بقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ البَيَانَ).

ونجد القرآن يعتبر اسم (الرحمن) علما على الله تعالى، كاسمه جل شأنه (الله) كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى}. وهذا الاسم تكرر في القرآن (57) سبعا وخمسين مرة، غير مرات البسملة.

ونجد اسم (الرحيم) قد تكرر في القرآن (95) خمسا وتسعين مرة، غير مرات البسملة.

تارة مع اسم (الرحمن) وتارة مع أسماء أخرى، مثل اسم (الغفور)، كما في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53).

وتارة مقترنا باسم (الرؤوف)، كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 143).

وتارة مع اسم (البَرّ)، كما في قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} (الطور: 28).

وطورا مع اسم التواب {إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة: 118).

وطورا مع اسم العزيز (تنزيل العزيز الرحيم) (يس: 5).

ونجد في القرآن وصفه تعالى بأنه (أرحم الراحمين) خمس مرات، وأنه (خير الراحمين) مرتين.

فكيف يزعم هؤلاء: أن إله المسلمين إله لا صفة له إلا البطش والجبروت والنقمة والشدة، وأن المسلمين تعلموا منه هذه الصفات.

وأين هذا مما جاء في (سفر الخروج) من أسفار التوراة مما يؤمن به اليهود والنصارى جميعا من وصف الإله بالغيرة والانتقام، حتى إنه يعاقب الأبناء بذنوب الآباء، والأحفاد إلى الجيل الرابع بآثام الأجداد.

يقول الله تعالى: (لأني أنا الرب إلهك، إله غيور، أفتقد آثام الآباء في البنين، حتى الجيل الثالث والرابع من مبغضيّ).[10]

هذا مع أن القرآن الكريم واضح كل الوضوح في تحميل كل إنسان وزر عمله، ولا يسأل عنها غيره، ولا يعاقب على ذنب جناه سواه، ولو كان أقرب الناس إليه. يقول تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدثر: 38) ويقول: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الأنعام: 164).

ويقرر أن هذا متفق عليه بين كتب السماء جميعا: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى . وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى . أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (النجم: 36، 37، 38).

لقد أعلن القرآن: أن رسالة محمد ليست إلا رحمة للناس جميعا، كما قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء: 107.

وعبر محمد عن نفسه، فقال: "إنما أنا رحمة مهداة".[11]

وخاطبه الله تعالى مثنيا عليه بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159).

وكان خلق الرحمة أظهر الأخلاق في رسالته، وأبرزها في سيرته.[12] وقال: "الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".[13] و"من لا يرحم الناس، لا يرحمه الله".[14]

ومدح القرآن الأبرار من عباده بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} {الإنسان: 8، 9}.

وذم بني إسرائيل بقسوة قلوبهم، فقال: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} {البقرة: 74}.

واعتبر القسوة عقوبة من الله لمن اتصف بها، فقال عن بني إسرائيل {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} (المائدة: 13).

وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الماعون: 1-3).

فاعتبر القسوة التي تؤدي إلى قهر اليتيم، وإهمال المسكين من دلائل الكفر، والتكذيب بالدين.

هل حضارة الغربيين حضارة مسيحية؟

ولقد رأينا الغربيين يزعمون أنهم مسيحيون: وأن حضارتهم القائمة اليوم (حضارة مسيحية)[15] ويتباهون بأن المسيحية ديانة سلام ومحبة، وأن المسيح لم يرفع سيفا في وجه أحد، بل قال لأتباعه: "من ضربك على خد الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، ومن سخرك لتسير معه ميلا فسر معه ميلين، ومن أراد أن يأخذ قميصك، فأعطه إزارك"[16]!! وبهذا لا يقاوم الشر بالشر، ولا يدفع القوة بالقوة. بل دعا المسيح أتباعه أن يحبوا أعداءهم، ويباركوا لاعنيهم![17]

فما نصيب هذه المقولة من الصحة؟ وهل الغربيون مسيحيون حقا؟ وهل للمسيحية ووصاياها ـ كما جاء بها الإنجيل ـ أثر في حياتهم؟ وهل طبق النصارى أتباع المسيح هذه التعاليم والوصايا في حياتهم وفي علاقاتهم بغيرهم من الأمم وأهل الأديان؟ بل هل طبقوها في علاقاتهم بعضهم ببعض؟.

التاريخ الحافل، والواقع الماثل، يقولان: إن النصارى أتباع المسيح ـ في جملتهم ـ كانوا أبعد الناس عن هذه الوصايا. ولم يدر منهم أحد خده الأيسر لمن ضربه على خده الأيمن، بل هم ابتدءوا العالمين بالضرب على كلا الخدين، بلا مبرر ولا سبب إلا العدوان.

ولقد قتل المسيحيون طوال التاريخ من أبناء الشعوب المخالفين لهم، ما تشيب من هوله الولدان، بل قتل بعضهم من بعض بالملايين: مـا لا يزال التاريخ القريب يذكره ولا ينساه.

قتل الكاثوليك من البروتستانت في بداية ظهورهم بالملايين، وقتل البروتستانت من الكاثوليك ـ بعد انتصارهم عليهم ـ بالملايين.[18]

وقتل بعضهم من بعض في الحربين العالميتين في القرن العشرين، بالملايين. وكلهم مسيحيون، يؤمنون بالإنجيل، ويدينون بدين المسيح عليه السلام.

حتى قال بعض الباحثين من المسيحيين الأوربيين: لم يصدق المسيح عليه السلام في نبوءة من نبوءاته، مثلما صدق في قوله: ما جئت لألقي على الأرض سلاما بل سيفا![19]

وبهذا أثبت التاريخ، وأثبت الواقع كلاهما: أن أتباع دين المحبة والسلام هم أكثر أهل الأديان دموية، وأسرعهم إلى العدوانية، وأشدهم قسوة ووحشية في التعامل مع الآخرين.

وهذا ما نراه رأي العين، ونلمسه لمس اليد، في يومنا هذا من القوة العالمية العظمى، القوة (المتألهة) في العالم، وهي (قوة أمريكا) التي تتصرف في الأرض، تصرف الإله في السماء، فهي (لا تُسأل عما تفعل) ولا يقف أمام رغبتها شيء، وقد رأينا أثرها العسكري في أفغانستان والعراق. وقد جسدت موقفها الديني والأخلاقي فيما صنعته في سجون العراق، وخصوصا (سجن أبو غريب). وقبلها في أسرى (جوانتانامو) الذين عوملوا معاملة، لا يقرها دين ولا أخلاق ولا عرف ولا قانون!

كما تجسد موقفها كذلك في مساندتها المطلقة والدائمة للصهيونية ودولتها المدللة (إسرائيل) التي تمدها بالمال والسلاح لتقتل الفلسطينيين وتدمر منازلهم، وتجرف أراضيهم، وتحرق مزارعهم، وتقلع أشجارهم، وتضم أراضيهم إليها بالقوة الطاغية، وتعزلهم وتمزقهم بعضهم عن بعض بوساطة الجدار العازل، وتخرب كل البنى التحتية لمجتمعهم.

وأمريكا يحكمها اليوم: اليمين المسيحي المتطرف، وعلى رأسه بوش الابن، الذي يتقرب إلى الله أو إلى المسيح بقتل المسلمين وتعذيبهم وتجويعهم! وهو يستخدم (العنف) في الأرض باسم السماء، ويعتبر نفسه ـ كما يعتبره أنصاره المقربون منه ـ رسول السماء. حتى قال بعضهم: ليست الانتخابات هي التي جاءت ببوش إلى البيت الأبيض، الله هو الذي جاء ببوش! على نحو ما كان يعتقد (جنكيز خان) في حروبه القديمة، التي دمر بها ممالك، وهدم حضارات!!.

التوراة والعنف

ومن أراد أن يعرف فضل ما جاء به الإسلام من إصلاح وتجديد وتهذيب في شأن استخدام القوة مع المخالفين، بالنسبة لما كان عليه الوضع في الشرائع القديمة، والأمم السابقة، فعليه أن ينظر ـ ولو نظرة سريعة عاجلة ـ إلى ما اشتملت عليه (التوراة) الحالية، التي يؤمن بها اليهود والنصارى جميعا، على أنها الكتاب الإلهي الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، وأعلن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: أنه ما جاء لينقض الناموس (الذي جاء به موسى)، بل جاء ليتممه.[20]

ولا أدري أقرأ الغربيون الذين يتهمون الإسلام بأنه (دين السيف)، والذين يزعمون أنهم يؤمنون بـ (الكتاب المقدس) ومنه التوراة: هذه النصوص التي سأوردها أم لم يقرءوها؟ وإذا قرءوها فهل وَعَوْها أو لم يعوها؟

فأنصت أخي القارئ المنصف لما تقوله التوراة في أمر الحرب والقتال، واستخدام القوة أو العنف مع المخالفين.

تقول التوراة في (سفر تثنية الاشتراع) في (الإصحاح العشرين) تحت عنوان (شرائع حصار وفتح المدن البعيدة) وأعتقد أن هذا العنوان من وضع ناشري التوراة، في الفقرة العاشرة وما بعدها:

(وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا. فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم، فكل الشعب الساكن فيها يصبح عبيدا لكم. وإن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها، فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم، فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة من أسلاب، فاغنموها لأنفسكم، وتمتعوا بغنائم أعدائكم التي وهبها الرب إلهكم لكم. هكذا تفعلون بكل المدن النائية عنكم التي ليست من مدن الأمم القاطنة هنا). انتهى.

هذا أمر التوراة الصارم لبني إسرائيل، أو لليهود المؤمنين بشريعة موسى في شأن حصار المدن البعيدة وفتحها: إذا أجابت دعوة السلم والصلح، فجميع أهلها عبيد لهم بلا استثناء! وإذا لم تسلّم لهم فليحاربوا، وإذا سقطت في أيديهم، فعليهم أن (يقتلوا جميع ذكورها بحد السيف) هكذا أمرهم الرب الإله. ولم تقبل شريعة التوراة من هؤلاء بديلا لقتلهم بحد السيف: أن يدخلوا في دين اليهودية مثلا، أو يدفعوا لهم جزية، أو غير ذلك. ولم يستثن أمر (الرب الإله) أحدا من الذكور: لا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا.

وقد قال القرآن هنا: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد: 4)، فاكتفى القرآن في قتال الأعداء: أن يثخنوهم، أي يضعفوهم، وفي هذه الحالة عليهم أن يشدوا الوثاق. أي: يأسروا بدل أن يقتلوا.

وقال القرآن أيضا: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة: 29)، فجعل للأعداء المحاربين فرصة تنجيهم من القتل، ومن الدخول في الإسلام جبرا، وهي إعطاء الجزية عن يد أي عن قدرة، وهي مبلغ زهيد في مقابل التكفل بالدفاع عنهم.

شرائع حصار وفتح مدن أرض الموعد

أما شعوب المنطقة التي يطلق عليها (أرض الموعد) أو (أرض الميعاد) فتقول التوراة في شأنها: (أما مدن الشعوب التي يهبها الرب إلهكم لكم ميراثا، فلا تستبْقوا فيها نسمة حية، بل دمروها عن بكرة أبيها، كمدن الحثِّيِّين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، كما أمركم الرب إلهكم، لكي لا يعلِّموكم رجاستهم التي مارسوها في عبادة آلهتهم، فتغووا وراءهم وتخطئوا إلى الرب إلهكم[21]) انتهى.

هذه الشعوب الستة، يجب أن تباد إبادة تامة، دون أن يبدءوا بالدعوة، أو تقبل منهم جزية، أو يعقد معهم صلح أو هدنة. ليس هناك إلا السيف. والموت والدمار الكامل هما نصيب هذه الشعوب المسكينة، ولا ذنب لها إلا أنها سكنت ما سمَّوه (أرض الميعاد) قبلهم.

ويعلق شراح التوراة على هذه الفقرة فيقولون: "كيف يمكن لإله رحيم أن يأمر بإهلاك كل المراكز الآهلة بالسكان؟ لقد فعل ذلك لحماية بني إسرائيل من عبادة الأوثان، التي كانت، ولا بد، ستجلب الخراب عليهم (20:18) وفي الحقيقة، لأن بني إسرائيل لم يقضوا تماما على هذه الشعوب الشريرة كما أمرهم الله، تعرضوا باستمرار لاضطهادهم، وإلى الكثير من سفك الدماء والتخريب، أكثر مما لو كانوا أطاعوا توجيهات الله قبل كل شيء!! اهـ.

وهكذا ترى هؤلاء الشراح برَّروا هذه الإبادة الكاملة لهذه الشعوب؛ بأمر الرب الإله! بل أظهروا الأسف على نجاة أناس من الشعوب التي لم يبدها سيف إسرائيل!.

فأين ما جاءت به التوراة هنا مما جاء به القرآن من أحكام؟

إن البلاد القريبة - التي يطلق الشراح عليها (أرض الموعد) - (لا تُستبقى فيها نسمة حية!) يعني: إبادة كاملة، الاستئصال لأهل هذه البلاد! فلا تستبعد ما صنعه الأوربيون المسيحيون حين نزلوا بأرض أمريكا الشمالية، من استئصال الهنود الحمر، أهل البلاد الأصليين!! ولا تستغرب ما صنعه البريطانيون وغيرهم حينما ذهبوا إلى (أستراليا) واكتشفوها وقضوا على سكانها الأصليين. وقد استخدم هؤلاء وأولئك في إبادة السكان الأصليين وسائل وأساليب لا تمت إلى الأخلاق، ولا إلى الإنسانية بصلة، ووصفها بـ (الوحشية) ظلم كبير للوحوش؛ لأن الوحوش لا تقتل من الحيوانات الأخرى إلا ما تحتاج إليه لأكلها. فإذا شبعت كفّت. وهؤلاء لا يشبعون من قتل، ولا يرتوون من دماء، وإن سالت مدرارا.

إن فكرة استئصال الأمم والشعوب والأخرى وإبادتها: (فكرة توراتية) أصيلة توارثها قراء التوراة من اليهود والنصارى. وهي فكرة مرفوضة تماما في الإسلام، لا بالنسبة إلى (الأمم البشرية) فحسب، بل بالنسبة إلى (الأمم الحيوانية) أيضا. فلم يجز الإسلام إبادة نوع أو أمة من العجماوات لسبب من الأسباب، وقال في ذلك رسول الإسل