مقدمة

من صفاته..رباني

إسلامي

داعية عالمي

أخي وشيخي

لهذا أحببته

أول لقاء بيننا

زيارته لمصر

لقاؤه بسيد قطب

أغرب ما رآه في مصر

موقف ثورة يوليو منه

أهم كتبه

زيارة لمسقط رأسه

ندوة العلماء ودار العلوم

الندوي في قطر

مقدمة

في سنة رحيل العلماء الأعلام، وفي العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، وفي يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وفي آخر يوم من السنة الميلادية التي يعتبرها الكثيرون نهاية القرن العشرين، وقبل 

الشيخ أبو الحسن الندوي

صلاة الجمعة، وقد توضأ الشيخ واستعد للصلاة، وشرع يقرأ سورة الكهف من كتاب الله تعالى، كما تعود كل جمعة، وافى الأجل المحتوم العلم المفرد، والداعية الرباني، والعلامة المتميز، العربي الأرومة، الحسني النسب، الهندي الجنسية، العالمي العطاء شيخ الأمة ولسانها الناطق بالحق، الداعي إلى الخير: السيد أبا الحسن علي الحسني الندوي وهو أشهر من أن يعرّف، وأعظم من أن يؤدى حقه بكلمات. لقد قدّر الله سبحانه وتعلى على أمتنا في هذا العام أن تودع عدداً من كبار العلماء وخيارهم علاماً وعملاً ودعوة إلى الله، ابتداء بعلامة الجزيرة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، ومروراً بأديب الفقهاء، وفقيه الأدباء الشيخ علي الطنطاوي، ومن بعده الفقيد الكبير المجدد العلامة الشيخ مصطفى الزرقا، وبعده المحدث الكبير الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وختم هذا الموكب الحافل بهذا الإمام الجليل الشيخ أبي الحسن الندوي. وقدّر الله عليّ أن أنعي إلى أمتنا الكبرى هؤلاء الأعلام، بالحديث عن مناقبهم وآثارهم في حياة الأمة، بالكتابة في الصحف أو بالكلام عنهم في برنامجي "الشريعة والحياة" في قناة الجزيرة الفضائية في قطر، وبرنامجي الآخر "المنتدى" في قناة أبو ظبي الفضائية، وذلك وفاء لبعض حقهم علينا، وكذلك حق الأجيال الصاعدة أن تعرف قدر هؤلاء الأكابر وما أدوه لدينهم وأوطانهم طوال حياة عامرة بالخير، فياضة بالبذل والعطاء.

إلى أعلى

من صفاته..رباني

فلا غرو أن أتحدث عن شيخنا الندوي ببعض ما يستحقه، مقتبساً من بعض ما كتبته عنه في حياته رحمه الله وغفر له، وتقبله في الصالحين. وكيف لا أتحدث عن هذا الإمام الرباني الإسلامي القرآني المحمدي، وهو أخي وشيخي وحبيبي رضي الله عنه وأرضاه. أما أنه "رباني" فلأن السلف أجمعوا على أن الرباني هو الذي يعلم ويعمل ويعلّم، فمن علم ولم يعمل بما علم فليس برباني، وعلمه حجة عليه، وهو من العلم الذي لا ينفع، وهو مما استعاذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع.. " ومن علم وعمل، ولكنه لم يعلّم غيره، ولم يدع الآخرين، فليس برباني، فقد قال الله تعالى (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) ومن علم وعمل وعلّم فذلك هو الرباني الذي يدعى عظيماً في ملكوت السماء (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ). وكلمة " الربانية " هل الكلمة التي اختارها الشيخ أبوالحسن ليعبر بها عن التزكية التي عني بها القرآن الكريم، وجعلها شعبة أساسية من مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن مقام الإحسان الذي بينه الرسول الكريم بقوله " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وذلك في كتابه القيم المعتبر "ربانية لا رهبانية" يريد به السلوك الخالص لوجه الله، السالم من البدع ومن المبالغات في الاعتقاد أو السلوك.

إلى أعلى

إسلامي

وأما أنه "إسلامي" فلأن الإسلام لحمته وسداه، ومبتدؤه ومنتهاه، وأدناه وأقصاه، إليه يسعى وعليه يدور، وله يعمل، وبه يعتصم ومنه يستمد، وعنه يصدر، وفيه يحب ويبغض، ومن أجله يكتب ويصنف ويدرس ويحاضر، ويسافر ويقيم ويصل ويقطع فهو شغله في نهاره، وحلمه في ليله، وزاده في سفره، وأنيسه في إقامته، فهو بالإسلام وللإسلام ومن الإسلام وإلى الإسلام. إن الذي يشغل عقله وقلبه ووقته باستمرار هو الإسلام، رسالته وحضارته، وانبعاثه وصحوته وقضايا أمته، وهجمة أعدائه وأعظم ما يهمه هو تقوية الجبهة الداخلية في مواجهة الغزوة الخارجية، هو تربية الفرد، لأنه اللبنة الأساسية في بناء الجماعة، هو تغيير ما بالنفس حتى يغير الله ما بالأمة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).
وأما أنه قرآني فلأن القرآن هو مصدره الأول، منه يستمد، وعليه يعتمد وبه يأنس، يتعبد بتلاوته، ويتلذذ بقراءته ويعيش في رحابه، متجاوباً مع آياته، متدبراً لمعانية،يستخرج منه اللآلئ والجواهر، يعرضها في محاضراته وكتبه ورسائله، بعقل متفكر، وقلب متأثر، يشهد بذلك كله من استمع إليه محاضراً، أو قرأ كتبه الكبيرة أو الصغيرة، فهو رجل القرآن حقاً.
وأما أنه "محمدي" فلا أعني مجرد أنه من نسل الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن السلالة الهاشمية الحسينية، فكم من حسنيين وحسينيين تناقض أعمالهم أنسابهم "من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" وإنما أعني أنه رجل جعل الرسول الكريم أسوته في هديه وسلوكه وحياته كلها، واتخذ سيرته نبراساً له، في تعبده وزهده، وإعراضه عن زخارف الحياة، وزينة الدنيا فهو يعيش في الخلف عيشة السلف، لا يهتم بما يهتم به أمثالنا من متاع وتملح ورياش وزينة، تحسبه إذا رأيته سلمان الفارسي أو أبا الدرداء. وحديثه عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ليس محض حديث باحث دارس، بل حديث محب عاشق، معجب بهذه الشخصية الضخمة الفريدة، شخصية محمد بن عبدالله، وليس هذا في كتابه القيم "السيرة النبوية" فقط، بل في سائر كتاباته ومحاضراته وأحاديثه المعبرة عن هذا الإعجاب وهذا الحب، وهذا التأسي. وهي –كلها- نابعة من فهمه لهذه الحياة النبوية الشامخة، وهضمه لهذه السيرة الجامعة، وتذوقه لما فيها من معاني الكمالات التي فرقها الله تعالى في البشر وجمعها في مصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم.

إلى أعلى

داعية عالمي

وأما أنه "عالمي" فهذا ما يلمسه كل متتبع لنشاط الشيخ العلامة، فهو، -وإن كان هندي المولد والنشأة والدراسة، عالمي الوجهة والغاية، عالمي النشاط والحركة، وهو- وإن اهتم بالمسلمين في الهند، وشارك في همومهم، وتصدر الصفوف أحياناً في ذلك، كما في قوانين الأحوال الشخصية، التي أرادت الحكومة الهندية يوماً أن تفرض على المسلمين فيها ما يحرمهم من خصوصياتهم، لا يقتصر همه ولا نشاطه على القارة الهندية، بل يمتد إلى العالم كله، ولذا نجد شهرة الشيخ في العالم العربي لا تقل عن شهرته في الهند، ونجد الشيخ عضواً في أكثر من مجلس، وأكثر من مؤسسة مثل المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، والمجلس العالمي الأعلى للمساجد، ومجلس المجمع الفقهي للرابطة، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن، والمجمع العلمي بدمشق، وهو الذي سعى لإنشاء مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، ليكون نقطة انطلاق للفكر الإسلامي في جامعة غربية عريقة، وهو الذي يرأس مجلس أمنائه منذ أنشئ، كما أسهم في إنشاء "رابطة الأدب الإسلامي لتكون منبرا ًعالمياً لأدباء الإسلام، وهو رئيسها منذ أنشئت أيضاً، ومن قرأ عناوين محاضرات الشيخ ورسائله وأحاديثه، وأين ألقيت؟ وإلى من وجهت؟ يعرف هذه العالمية بوضوح، فهناك أحاديث إلى العرب، وأحاديث صريحة في أميركا، وهناك جملة "أسمعيات"، إذا صح هذا الجمع، وهي الرسائل التي وجهها إلى البلاد التي زارها ناصحاً لها ومشفقاً عليها: اسمعي يا مصر اسمعي يا زهرة الصحراء "عني الكويت" اسمعي يا إيران.. الخ.

إلى أعلى

أخي وشيخي

وأما أنه "أخي" فقد ربطت بيني وبينه "أخوة الإسلام" الذي يربط بين الأكبر والأصغر من أبنائه (إنما المؤمنون أخوة) "المسلم أخو المسلم" و "أخوة العلم" والعلم رحم بين أهله، و "أخوة الدعوة" والدعوة رابطة بين الدعاة، وإن بعدت الدار، وشط المزار و "أخو المحنة" وأعني المحنة بهموم الأمة وترشيد الصحوة وتفرق العلماء وتوحد الأعداء، وهجمة الخصوم، وضعف المقاومة وفساد الحكام وغفلة الجمهور، وترف الأغنياء، وشغل الدعاة أتباعهم بالفروع عن الأصول، الجزئيات عن الكليات، وبالشكل عن الجوهر وبأعمال الجوارح عن أعمال القلوب.
وأما أنه "شيخي" فلأني تتلمذت على كتبه، وانتفعت بها، واقتبست منها، ونقلت عنها في أكثر من كتاب لي، وكل كتاب فيها له طعم خاص، ومذاق معين وفكرة محورية يدور عليها، ولا أجد داعية من الدعاة المعاصرين، ولا مفكراً من مفكرينا المعتبرين إلا استفاد من كتب الشيخ، واقتبس منها، الشهيد سيد قطب، الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي، العالم الأديب الكبير الشيخ علي الطنطاوي.. وغيرهم.
بل إنني تتلمذت عليه مباشرة باللقيا والسماع منذ لقيته في سنة 1371هـ (1951م) في مصر، وكما لقيته بعد ذلك، فهو قدوة في حركته، وقدوة في سكونه، قدوة في كلامه، وقدوة في صمته.
أذكر أنه حينما زارنا منذ أكثر من ثلاثين عاماً في قطر، وكان يشكو من قلة موارد (دار العلوم) بندوة العلماء، اقترح عليه بعض الأخوة أن نزور بعض الشيوخ وكبار التجار، نشرح لهم ظروف الدار ونطلب منهم بعض العون لها، فقال: لا أستطيع أن أفعل ذلك، وسألناه: لماذا؟، فقال: إن هؤلاء القوم مرضى، ومرضهم حب الدنيا، ونحن أطباؤهم، فكيف يستطيع الطبيب أن يداوي مريضه إذا مد يده إليه يطلب عونه؟ أي يطلب منه شيئاً من الدنيا التي يداويه منها؟ قلنا له: أنت لا تطلب لنفسك، أنت تطلب للدار ومعلميها وتلاميذها حتى تستمر وتبقى.
فقال: هؤلاء لا يفرقون بين ما تطلبه لنفسك وما تطلبه لغيرك، ما دمت أنت الطالب، وأنت الآخذ.
وكنا في رمضان، وقلنا له حينذاك: ابق معنا إلى العشر الأواخر، ونحن نقوم عنك بمهمة الطلب، فقال: إن لي برنامجاً في العشر الأواخر لا أحب أن أنقضه أو أتخلى عنه لأي سبب، إنها فرصة لأخلو بنفسي وربي.
وعرفنا أن للرجل حالاً مع الله، لا تشغله عنه الشواغل، فتركناه لما أراد، محاولين أن نقلده، فلم نستطع وكل ميسر لما خلق له.

إلى أعلى

لهذا أحببته

أما أنه حبيبي فأشهد أني أحبه، وأرجو أن يكون حباً لله تعالى، فقد أحببته لتجرده وإخلاصه وربانيته، وأحببته ليقينه وتوكله وقوته، وأحببته لتحرقه وتوقده وغيرته، وأحببته لاعتداله ووسطيته، أحببته لنقاء فكره من الخرافة، وصفاء قلبه من الحسد، وسلامة عقيدته من الشركيات، وسلامة عبادته من المبتدعات، ونظافة لسانه من الطعن والتجريح، بالتصريح أو بالتلميح، أحببته لانشغاله بالقضايا الكبيرة عن المسائل الصغيرة، وبالحقائق عن الصور، وبالمعنى عنه المبنى، وبالعمق عن السطح. أحببته لحسن خلقه وسهولته، أحببته لحياته، ورقة طبعه ودماثته، وإني لأتقرب إلى الله تعالى بحبه، وأرجو أن أحشر معه (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا ).
وإني أتمثل هنا بقول الشاعر الصالح:

أحب الصالحين ولست منهم

عساني أن أنال بهم شفاعــة

وأكره من بضاعته المعاصي

وإن كنا سواء في البضاعــة

ولست أنا وحدي الذي يحب الشيخ الجليل، فأحسب أن كل من عرفه واقترب منه أحبه على قدر معرفته به، وقربه منه، وكلما ازداد منه قرباً، ازداد له حباً. ولا غرو أن يختلف الناس على أشخاص العلماء، ولكنهم يتفقون على أبي الحسن، حتى الذي ليسوا من مشربه، ولا على طريقته، لا يملكون إلا أن يختاروه في مجامعهم، لما خصه الله به من مزايا قل أن توجد في غيره (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ).

إلى أعلى

أول لقاء بيننا

عرفت الشيخ أبا الحسن منذ أربعة وأربعين عاماً، حين زارنا في مصر أول ما خرج من وطنه في الهند وأراد أن يتحرك إلى العالم من حوله فكانت زيارته لمصر (1371هـ – 1951م). كنت وقتها طالباً في كلية أصول الدين مشغولاً بدعوة الإخوان المسلمين، مسؤولاً عن طلبة الإخوان في جامعة الأزهر، مع أخي أحمد العسّال وعدد من الأخوة الكرام، وأخطب الجمعة في مسجد بمدينة المحلة الكبرى، القريبة من قريتي، وكنت قد قرأت كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" الذي نشرته "لجنة التأليف والترجمة والنشر" التي يرأسها الأستاذ الكبير أحمد أمين رحمه الله. وقد أعجبت بالكتاب، ودللت عليه بعض الأصدقاء ليقرؤوه، وإن كنت لا أعرف عن صاحبه شيئاً إلا أنه عالم هندي مسلم، وقد كتب الأستاذ أحمد أمين مقدمة للكتاب، ولكنه لم يوف صاحبه حقه كما ينبغي. ولكن الكتاب نظرة جديدة إلى التاريخ الإسلامي، وإلى التاريخ العالمي من منظور إسلامي، وهو منظور عالم مؤرخ مصلح داعية، يعرف التاريخ جيداً، ويعرف كيف يستخدمه لهدفه ورسالته. وقد ساعده على ذلك معرفته باللغة الإنجليزية، كما ساعده الحس النقدي والحس الحضاري والحس الدعوي والحس الإصلاحي، وكلها من مواهبه، على تقديم هذه النظرة الجيدة من خلال كتابه الفريد.

إلى أعلى

زيارته لمصر

اتصل بي بعض الأخوة الهنود الذين يدرسون في مصر، وقالوا لي: هل تعرف الأستاذ أبا الحسن الندوي؟ قلت لهم: أليس هو صاحب كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" قالوا: بلى، قلت: وما شأنه؟ قالوا: سيصل إلى القاهرة يوم كذا. قلت: أرجوكم أن توصلوني إليه بعد حضوره. وما هي إلا أيام حتى حضر الشيخ، ومعه اثنان من إخوانه ورفقائه الندويين، أحدهما الشيخ معين الندوي والثاني نسيت اسمه. كان الشيخ ومن معه يسكنون في شقة متواضعة في زقاق من أزقة شارع الموسكي بحي الأزهر، فالشيخ لا يقدر على سكنى الفنادق، ولا يحبها -حتى وإن قدر عليها- وفي اجتماعات مجلس الرابطة بالمملكة يدع الفنادق التي ينزل فيها الضيوف -وهي من فنادق الدرجة الأولى- وينزل عند بعض إخوانه. كما أنه يرفض النزول ضيفاً على بعض الكبراء من الأغنياء والموسرين، لعل ذلك للشبهة في أموالهم، أو لئلا يكون أسيراً لإحسانهم. كان الشيخ حين زار مصر في شرخ الشباب، لحيته سوداء، ووجهه نضر وعزمه فتي وروحه وثابة وغيرته متوقدة، كان يحمل حماس الشباب وحكمة الشيوخ، يحمل فكر العالم الموفق، وقلب المؤمن الغيور في آن واحد. ذهبت لزيارة الشيخ في مسكنه المتواضع أنا وأخي وصديقي ورفيقي محمد الدمرداش مراد رحمه الله رفيقي في الدراسة، ورفيقي في الدعوة ورفيقي في المحنة ورفيقي في السكن، ودعوناه إلى بيتنا في شبرا، ليلتقي ببعض إخواننا من شباب الأزهر الملتزمين بالدعوة في صورة ما يسميه الإخوان "كتيبة" وهو تعبير عن ليلة جماعية تقضى في العلم والعبادة والرياضة، وقليل من النوم، وكان الشيخ حريصاً على أن يستمع منا، كما نستمع إليه، فكان يسأل عن حسن البنا، وكلامه وطريقته، ومواقفه وتصرفاته في الأمور المختلفة كبيرة كانت أو صغيرة، مما كون معه فكرة عن الشيخ البنا، وأنه كان (إماماً ربانياً) بحق، ولم يكن مجرد زعيم يطالب بحكم إسلامي، بل كان قبل كل شيء (مربياً) يريد أن ينشئ للإسلام جيلاً جديداً، يحسن الفهم له والإيمان به والالتزام بتعاليمه والدعوة إليه والجهاد في سبيله. وتكرر لقاؤنا معه، ولقاؤه معنا، نحن شباب الدعوة الإسلامية "أنا والأخ أحمد العسال والأخ الدمرداش وآخرون". كانت أيام الشيخ أبي الحسن في مصر أياماً خصبة مباركة، لا يكاد يخلو يوم منها عن محاضرة عامة يدعى إليها، أو درس خاص يرتب له، أو لقاء خاص يعد له. ألقى محاضرة تحت عنوان "المسلمون على مفترق الطرق" في دار الشبان المسلمين على ما أذكر، وألقى محاضرة عن محمد إقبال شاعر الإسلام في الهند في كلية دار العلوم، كان له تأثيرها ودويها، والشيخ من المعجبين بشعر إقبال، ويحفظ منه الكثير الكثير، وقد أخرج كتاباً عنه بعنوان "روائع إقبال". التقى الشيخ في القاهرة بكثير من العلماء والدعاة والمفكرين، وسجل عنهم ملاحظاته الدقيقة في كتابه الذي أصدره بعد رجوعه "مذكرات سائح في الشرق العربي".

إلى أعلى

لقاؤه بسيد قطب

التقى بالأديب الكبير الناقد الشهيد سيد قطب، وأعجب به الشهيد وكتب مقدمة أخرى لكتابه "ماذا خسر العالم؟" أنصف فيها الكتاب وصاحبه، وقدره حق قدره. والتقى كثيراً بالشيخ محمد الغزالي، ورافقه في بعض رحلاته الدعوية، وأعجب كل منهما بصاحبه، وكتب عنه الشيخ في مذكراته تلك. وأذكر أن الشيخ الندوي كان قد اصطحب معه عدة رسائل من أوائل كتاباته الإسلامية الدعوية، وهي جملة رسائل تعبر عن حس رقيق وفكر عميق، وبيان أنيق، وعن رهافة الحاسة الأدبية، وعمق الحاسة الروحية عند الشيخ. وأذكر أن الشيخ الغزالي قرأها ومنها رسالتان، إحداهما: من العالم إلى جزيرة العرب، والأخرى: من جزيرة العرب إلى العالم، وفيهما يستنطق الشيخ ما يريده العالم من الجزيرة من الهدى ودين الحق وهو ما قدمته الجزيرة قديماً للعالم، ورد الجزيرة على هذا التساؤل. قال الغزالي معقباً: هذا الإسلام لا تخدمه إلا نفس شاعرة محلقة، أما النفوس البليدة المطموسة فلا حظ لها فيه. لقد وجدنا في رسائل الشيخ لغة جديدة، وروحاً جديدة والتفاتاً إلى أشياء لم نكن نلتفت إليها، إن رسائل الشيخ هي التي لفتت النظر إلى موقف ربعي بن عامر رضي الله عنه بين رستم قائد الفرس وكلماته البليغة له، التي لخصت فلسفة الإسلام في كلمات قلائل، وعبرت عن أهدافه بوضوح بليغ، وإيجاز رائع: " إن الله بعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام "، أبو الحسن الندوي -فيما أعلم- هو أول من نبهنا إلى قيمة هذا الموقف، وهذه الكلمات، ثم تناقلها الكاتبون بعد ذلك وانتشرت. وقد لقي الشيخ أستاذنا البهي الخولي وقد أعجب به الأستاذ البهي غاية الإعجاب، وسجل ذلك في رسالة سطرها إليه، كما لقي الأستاذ صالح العشماوي وغيره من قادة الأخوان، وجلس إليهم وتحدث معهم حديثاً نشره في رسالة بعد ذلك، عنوانها "أريد أن أتحدث إلى الإخوان المسلمين". ولقي كذلك أستاذنا العلامة الدكتور محمد يوسف موسى وقد كتب له مقدمة لكتاب "ماذا خسر العالم؟".

إلى أعلى

أغرب ما رآه في مصر

كما لقي الأديب الداعية الشيخ أحمد الشرباصي، الذي سجل معه مقابلة عن سيرته نشرت في مقدمة "ماذا خسر العالم؟" ومما أذكره في هذه المقابلة: أنه سئل عن أغرب ما رآه في مصر؟ فكان جوابه: إني وجدت العلماء حليقي اللحى! ولا ريب أن هذه صدمة شديدة لعالم لم ير في حياته في وطنه عالماً واحداً حليقاً، وحلق اللحى عندهم من شأن المتفرنجين، والبعيدين عن الدين، أما أن يكون هذا هو الطابع العام للعلماء في بلد فهو الشيء الغريب، ومن العجب أن بعض شيوخ الأزهر المتحمسين لإعادة الأزهر إلى مكانته القديمة يحاولون أن يفرضوا على الطلبة لبس العمامة، وهي مجرد تقليد ولا يفكرون أن يفرضوا عليهم إطلاق اللحية، وهي سنة إسلامية بلا ريب. ولم يكتف شيخنا بالنشاط والحركة في مدينة القاهرة على سعتها، بل امتد إلى مدن أخرى، سمعت بالشيخ فدعته إلى زيارتها ولقاء الجمهور المسلم فيها، ومن ذلك مدينة "المحلة الكبرى" التي كنت أخطب في أحد مساجدها، وقد دعاه إليها الدكتور محمد سعيد -رحمه الله- رئيس الجمعية الشرعية بمدينة المحلة، وهو طبيب أسنان معروف، نذر حياته لإحياء السنة، والدعوة إلى الله عن طريقة "إخواننا في الجمعية الشرعية" وقد عرف الشيخ أن بينه وبين الإخوان شيئاً، فهو يأخذ عليهم أنهم لا يلتزمون بالآداب التي يلتزمونها هم من إعفاء اللحية، وإحفاء الشارب، وإرخاء العذبة، وإطالة الصلاة، وقال الشيخ للدكتور "إن دعوة الإخوان دعوة عامة، مهمتها أن تجمع الجماهير على الأصول الكلية للإسلام، ثم تربيهم بالتدريج على الآداب الخاصة ولابد أن يكون في الأمة النهجان، النهج العام للإخوان، والنهج الخاص كالجمعية، واستراح الدكتور سعيد -رحمه الله- لكلام الشيخ ودعاني معه على الغداء عنده. ولكن سرعان ما كاد هذا يذهب هباء، عندما ذهبنا مع الشيخ إلى بلدة "نبروه" وتكلمت كلمة أغضبت الدكتور سعيد -غفر الله لنا وله- ولا أدري لماذا؟ ولكن الشيخ تدارك الموقف بهدوئه وحكمته وبات الناس تلك الليلة في المسجد سجداً وقياماً، بدعوة من الشيخ واستجابة كثيرين من الحضور.

إلى أعلى

موقف ثورة يوليو منه

كانت زيارة الشيخ لمصر هي بداية لقائي به، ومعرفتي به، زادتها الأيام قوة على قوة، بيد أن هناك فترة انقطعت فيها أخبار الشيخ عنا، وذلك بعد ظهور ثورة يوليو، وصدامها الدامي مع الأخوان، ودخولنا المعتقلات والسجون، والحيلولة بيننا وبين كل نشاط يتصل بالجماهير من تعليم وتدريس أو وعظ وخطابة، وإن أجبرتهم الأقدار أن يستعينوا بنا حين وقع العدوان الثلاثي على مصر، وقد صنف الشيخ الندوي وزميله الشيخ المودودي على أنهما من أعداء الثورة المصرية، وخصوم الناصرية، ولهذا حين صدر قانون إنشاء "مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر" وهو ينص على أن يضم علماء بارزين من أقطار العالم الإسلامي استبعد اسما الرجلين الكبيرين مع أنهما كانا أولى المرشحين بذلك لمكانتهما العلمية والعالمية. ثم شاء القدر أن أعار إلى قطر، بعد عشر سنوات من زيارة الشيخ لمصر (1381هـ – 1961م) وقد سعدنا بزيارة الشيخ للدوحة بعد أشهر أو سنة، لا أذكر، من قدومي إلى الدوحة، وكانت تلك الزيارة تجديداً وتأكيداً للصلة السابقة والمستمرة، وقد أشرت إليها فيما سبق. ثم ظللت أتصل به عن طريق ما يصدره من كتب، وما ينشره من رسائل ومحاضرات وعن طريق مجلة "البعث الإسلامي" التي كنا نعتبرها لسان الدعوة الإسلامية في الهند، ويقوم عليها أخوان كريمان من تلاميذ الشيخ من رجال الدعوة، وهما الأستاذ محمد الحسني رحمه الله وتقبله في الصالحين، وهو ابن أخ الشيخ، والأستاذ سعيد الأعظمي بارك الله في عمره ونفع به، ولا يكاد يخلو عدد من المجلة من كلمة للشيخ أو بحث، أو من تلخيص لمحاضرة، أو نحوه مما ينفع الناس ويمكث في الأرض.

إلى أعلى

أهم كتبه

ومن أهم الكتب التي ظهرت للشيخ في تلك الفترة: رجال الفكر والدعوة في الإسلام.. الجزء الأول منه، وهو كتاب يعتبر نسيج وحده. وهو -في الأصل- محاضرات عن كل شخصية من الشخصيات المجددة التي اختارها الشيخ، وألقاها على طلاب كلية الشريعة في دمشق بدعوة من عميدها الداعية الفقيه الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله. وقد أعدها الشيخ الندوي إعداداً جيداً، وبينت مدى عناية الشيخ بالتاريخ الإسلامي، ومراحله المختلفة، وعمق معرفته بخصائص الرجال المجددين للدين، والمؤثرين في الأمة وإن كلا منهم جاء في أوانه وسد ثغرة في جانب من الجوانب لم يكن ليسدها غيره. وقد اتبع الجزء الأول بأجزاء بعد ذلك تحدثت عن عدد من الأعلام مثل الحافظ بن تيمية، وشيخ الإسلام ولي الله الدهلوي والإمام أحمد بن عرفان الشهيد، وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه (المرتضى). ومن الكتب التي ظهرت في تلك المرحلة، الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية وهو يبين كيف دخلت الفكرة الغربية ديار المسلمين، وصارعت الفكرة الإسلامية، التي هل الأصل وصاحبة الدار وكيف كادت تنفرد بالتأثير والتوجيه فترة من الزمن ثم قيض الله للفكرة الإسلامية من يجددها ويدعو إليها ويذود عنها لتتبوأ مكانتها، ومنها: الأركان الأربعة، وهو كتاب يتحدث عن العبادات الأربعة الكبرى: الصلاة والزكاة والصيام والحج بلسان الداعية المعاصر الذي يخاطب العقل والقلب معاً، ومنها: ربانية لا رهبانية: وهو كتاب يتحدث عن الجانب الروحي أو السلوكي في الإسلام لا حديث الصوفي المتأثر بفلسفة الحلول أو الاتحاد ولا بالطرقية المرتزقة، بل حديث المسلم الملتزم بالكتاب والسنة، العارف الذائق الذي خاض التجربة الروحية، فلم يغرق في بحار القوم ن بل خرج بلآلئ وجواهر انتفع بها ولم يحجبه عنها المصطلحات التي قد تنفر ولا تبشر، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء وبالمضامين لا بالعناوين. ثم كان للشيخ بعد ذلك كتب ورسائل سارت بذكرها الركبان وتلقاها المسلمون بالقبول في كل مكان.

إلى أعلى

زيارة لمسقط رأسه

ومما أذكره ولا أنساه زيارتنا للشيخ في مدينة (لكنهو) بالهند مقر ندوة العلماء ودار العلوم وذلك حين دعانا الشيخ حفظه الله، للاحتفال بمرور خمسة وثمانين عاماً على تأسيس ندوة العلماء، وقد استجاب لدعوة الشيخ جمهرة من كبار علماء الأمة، من أقطار شتى على رأسهم فضيلة الإمام الأكبر الراحل الرجل الصالح الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر، والذي أبى الشيخ الندوي إلا أن يجعله رئيس الاحتفال تكريماً وتقديراً للأزهر في شيخه، وحضر معه فضيلة الشيخ الدكتور محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف في مصر في ذلك الوقت، وحضر الشيخ أحمد عبدالعزيز المبارك رئيس قضاء الإمارات، والشيخ عبدالله الأنصاري مدير الشؤون الدينية في وزارة التربية بدولة قطر، والشيخ عبدالمعز عبدالستار مدير توجيه العلوم الشرعية وعدد من علماء السعودية وبلاد الخليج. وكانت أياماً حافلة تلك التي قضيناها في رحاب الندوة، وكان مهرجاناً رائعاً وباهراً، اجتمع فيه المسلمون، والهندوس، بعشرات الألوف وعاش الضيوف في فيض من كرم الشيخ الندوي وإخوانه حتى قال أخونا الشيخ محمد المهدي البدري: لم يبق إلا شيء واحد يقدمه لنا الشيخ وهو أن يزوج كلاّ منا فتاة هندية مسلمة. حضر المصورون ليصوروا ذلك المهرجان وقال الشيخ: إن مذهبنا هو منع التصوير، ولكننا نسمح به اليوم، إكراماً لإخواننا العرب الذين لا يرون بالتصوير بأساً. ألقيت كلمات كثيرة في المهرجان حرص الشيخ أن يقدم بعض المتحدثين بنفسه كما فعل معي وكما فعل مع العلامة الشيخ عبدالفتاح أبي غدة رحمه الله ولقد قال لي بعدها: إن الناس تأثروا بكلامك، وإن لم يفهموه لأن للكلام روحاً، قد يصل إلى المستمع مباشرة وإن عجز المترجم عن توصيله. ولا أنسى قولة الشيخ لي مرة: إن في كلامك روحاً وحرارة خاصة وهذه قلما تترجم لأن المترجم يترجم المعاني والأفكار ولا يترجم الحرارة والروح، إلا مترجماً يملك ما تملك. وقد وجد هذا المترجم يوماً، ممثلاً في الأخ الشاب النابغة سلمان الندوي من أسرة الشيخ الذي ترجم كلمتي في "مؤتمر المستشرقين" فقال الشيخ: الحمد لله لقد نقل سلمان المعنى والروح معاً.

إلى أعلى

ندوة العلماء ودار العلوم

لقد رأينا (ندوة العلماء) وجامعتها المتميزة (دار العلوم) في عقر دارها، تلك الندوة أو تلك الدار التي طالما سمعنا بها فعشقناها قبل أن نراها -والأذن تعشق قبل العين أحياناً- فلما رأيناها وعايشناها صدق الخبر الخبر، وأنشدنا مع الشاعر القديم:

كانت محادثة الركبان تخبرنا

عن جعفر بن رباح أطيب الخبر

حتى التقينا فلا والله ما سمعت

أذني بأحسن مما قد رأى البصر

إنها الدار التي تغنى بها الشعراء والأدباء وأشاد بها الدعاة والعلماء وقال يحييها العلامة الشيخ علي الطنطاوي، كم أتمنى لو رددت إلى عهد الصبا، فأعود لأتعلم في هذه الدار، وأتتلمذ على شيوخها، وأرافق طلابها، وأتنفس في رحابها، وأقتبس منها العلم والإيمان أو كما قال. إنها الندوة التي اتخذت شعارها: الاستفادة من كل قديم نافع، والترحيب بكل جديد صالح والجمع بين الإيمان الراسخ والعلم الواسع، والثبات على الأهداف والغايات، والتطور في الفروع والآلات والأخذ مما صفا من التراث وترك ما كدر منه. لقد كانت مشكلة التعليم الأساسية في العالم الإسلامي أنه يقوم على نوعين متناقضين من المؤسسات، إحداهما تمثل القديم الموروث ولا تعرف العصر، ولا تحسن التعامل معه، والأخرى تمثل العصر بتياراته ومعارفه وتوجهاته المادية والعلمانية، ولا تعرف التراث وقيمه وعقائده ومثله، كان هناك "التراثيون" الماضويون الذين يقولون: ما ترك الأول للآخر شيئاً، وليس في الإمكان أبدع مما كان، فلا اجتهاد في الفقه، ولا إبداع في الأدب، ولا ابتكار في العلم، ولا اختراع في الصناعة، ولا تجديد في الدين ولا في الحياة.
ويقابلهم (العصريون) الذين يريدون أن يجددوا كل شيء، وهم الذين قال لهم إقبال: إن الكعبة لا تجدد، وقال عنهم الرافعي: إنهم يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر !.
وهنا كان الدور المبارك لندوة العلماء لتقوم بدور التوفيق بين الجانبين، وتطعيم كل واحد منهما بعناصر من الآخر، فقامت الندوة فحلت عقدة الصراع بين القديم والجديد، بين الموروث والوافد، بين الماضي والحاضر، وجمعت بين التراث والعصر _ أو بين الأصالة والمعاصرة، كما يقول اليوم _ ورفعت شعارات الجمع والتوفيق والوسطية التي أشرنا إليها.
ومن حسن حظ الندوة أن الله تعالى هيأ لها _ منذ تأسيسها _ رجالاً كباراً أقاموها على قواعد مكينة، وأسس متينة لا تنهار بسهولة، وقد كانوا كباراً في العلم، كباراً في الفكر، كباراً في الدين، كباراً في الخلق، كباراً في العزيمة والطموح، ابتداء من العلامة شبلي النعماني، والعلامة سليمان الندوي، والعلامة عبدالحي الحسني شقيق الشيخ، إلى العلامة أبي الحسن الندوي، وكلهم قمم شامخة.
هؤلاء الكبار كونوا تلاميذ لهم أشربوا روحهم، واقتبسوا من ضوئهم، وتخلقوا بأخلاقهم، فساروا على نهجهم، فأنشأ الله تعال