أشرف عبد المقصود

العالم الرباني هو من يستعظم المسؤولية التي حمّله الله إياها ، ويقدِّر أمانة الله في عنقه ، ويتحمل العبء الثقيل الذي كُلِّف به في مواجهة التيارات الهدامة التي تنخر في جسد الأمة ، فهو يستشعر عن بعد الخطر الدَّاهم على أمته فلا ينتظر حتي يعم البلاء بل يسارع للتحذير دون إبطاء ، فالبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [ آل عمران :187 ] .

ومن الثابت ان كثيرا من علماء أهل السنة المعاصرين في دعوتهم للتقريب مع الشيعة - لحسن نيتهم وعدم معرفتهم بألاعيب الشيعة وحيلهم – قد انتهى به المطاف آخيرا للتحذير منهم وكشف خداعهم ، خذ مثلا : العلامة الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله ، فقد كان من دعاة التقريب والمهتمين به، وسعى لعقد مؤتمر إسلامي بين الفريقين ثم تبين الخداع والزيف فحذر منهم وبين غرضهم فقال : ( دعاة التقريب من علماء الشيعة إذ هم بينما يقيمون لهذه الدعوة الدور وينشئون المجلات بالقاهرة ويستكتبون فريقا من علماء الأزهر لهذه الغاية ، لم نر أثرا لهم في الدعوة لهذا التقارب بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما ، فلا يزال القوم مُصرِّين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف كأن المقصود من دعوة التقريب هي تقريب أهل السنة إلى مذهب الشيعة لا تقريب المذهبين كل منهما إلى الآخر ) " السنة ومكانتها في التشريع " ص ( 10) .

وهذا نفسه ما حدث مع العلامة الألمعي الفَطِن الدكتور يوسف القرضاوي الذي قضى سنوات طويلة من عمره ينافح عن التقارب المذهبي - وهو المبرأ من أي شبهة غلو مذهبي أو كراهية للآخر - لما استشعر خطر المسؤولية وفداحة الخطب أطلق صيحاته المتكررة للتحذير من الخطر الشيعي ، الذي خرج من قمقمه - بمباركة قوى أعداء الإسلام - ليشغل أهل السنة بالفتن كما هي عادته على مر الأزمان. لقد صبر الشيخ على الشيعة كثيرًا ، وطالما كنتُ واثقًا أن صبره لا يعني المهادنة أو الإقرار لمخالفاتهم ، وإنما يستتر خلفه حكمة وسعي دءوب لنصحهم في السر والعلن ورغبة في وحدة الأمة ضد الأخطار الخارجية التي تتهددها ، حتى إذا ما طفح الكيل لم يكن من بد من وقفة حاسمة معهم :

1- واستياء القرضاوي من تصرفات الشيعة في إيران ظهر في حوار معه ( نقله موقع إسلام أون لاين ) حيث قال : ( ومما قلته للإخوة أيضا في إيران: إن أهل السنة في طهران يقدرون بمليونين أو أكثر، وهم يطالبون منذ سنين بإقامة مسجد لهم، يجتمعون فيه لأداء فريضة صلاة الجمعة ، ويشاركهم في ذلك السفراء العرب والمسلمون، فلم تستجب السلطات لهم حتى الآن ) اهـ .. ولم تُعِره إيران أي اهتمام ، بل في مناظرة بقناة الجزيرة العام الماضي بين القرضاوي ورفسنجاني – الذي يمثل الموقف الرسمي لإيران راعية مؤتمرات التقريب - رأينا القرضاوي وقد ضيق الخناق على رفسنجاني ليتبرؤا من هذه الانحرافات واللعن والسب ، فرأيناه يلف ويدور ولم يتتزحزح قيد أنملة عن موقفه !!

2- ثم رأينا تسليطهم لأذناب الشيعة - ممن تشيعوا - للهجوم على القرضاوي في الصحف والمجلات ، فألف المتشيع أحمد راسم النفيس - ومن يسمي نفسه بالمتحدث الرسمي للشيعة بمصر - كتابا بعنوان : " القرضاوي وكيل الله أم وكيل بني أمية " كال فيه التهجم والسباب للقرضاوي ، وقال عنه ص (12 ) : ( وأنه من جمعية عشاق القتلة من بني أمية ) نعوذ بالله من الخذلان .

3- ثم جاء مؤتمر الدوحة الأخير العام الماضي - فأثبتت له بجلاء أن اللعبة انتهت وانكشفت وأن التقريب عندهم يعني التقريب للتشيع وفتح الباب لنشر المذهب . وفي المؤتمر فاجأ القرضاوي الحضور في مفتتح اللقاء بانتقاده لسياسية "التشييع" التي تنتهجها إيران في المجتمعات الإسلامية السنية ، وقال موجها كلامه للتسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب في إيران ومتساءلا : «ماذا ينفعكم أن تدخلوا بلداً سنياً مثل مصر أو السودان أو المغرب أو الجزائر وغيرها من بلاد خالصة للشافعية والمالكية... وأن تحاولوا أن تكسبوا أفرادا للمذهب الشيعي؟... هل ستكسبون 10 أو 20 أو 100 أو 200 لكن بعد ذلك تنجزون فتنة في البلد، وسيكرهكم الناس ويلعنونكم بعد ذلك» اهـ .

5- وفي شهر يناير 2007 وصفت صحيفة "ملي دار" العراقية الشيعية ، الشيخ يوسف القرضاوي بأنه "أشد أعداء الشيعة"، واتهمته بتحريض الأكراد عليهم . ولفتت إلى أن الشيخ القرضاوي هاجم تسخيري رئيس مجمع التقريب بين المذاهب في إيران في الجلسة الختامية للمؤتمر، قائلاً: " إما أن تنجح فكرة التقريب بين المذاهب على أرض الواقع أو لنفض هذه السيرة وتغلق مجمعك وتقوم بتسريح موظفيك ".

6- وإذا كان تحذير القرضاوي قيل عامين بنقابة الصحفيين من المد الشيعي يعده البعض غير كاف ، وفي المقابل يعتبره الدكتور محمد سليم العوا " زلة لسان " ؛ فقد قطع الشيخ حفظه الله الشك باليقين قبل أيام بتحذير واضح بين فيه بشدة خطورة المد الشيعي في غزو البلاد العربية ، ثم بين بدع الشيعة وانحرافهم في معتقدهم ، فقامت الدنيا ولم تقعد ، وانبرى الشيعة للطعن في الشيخ والهجوم عليه حتى ممن كانوا يتظاهرون بالاعتدال أمثال التسخيري وفضل الله !!

أما التسخيري فأمره مكشوف ومفضوح، فبينما هو يقدم نفسه كراعٍ للحوار بين المذاهب، يشرف شخصيا على جهود التشييع في البلاد السنية ، مستغلا جهل أهل السنة بحقيقة التشيع وفي بلدان لا تعرف الفرق بين الشيعي والشيوعي !! ولكن لن تنطلي علينا ألاعيب هذا الرجل وحيله ، ولا أنسى خزيه أمام الدكتور محمد عمارة حين فاجأه - في مناظرة جرت بينهما بقناة العالم في شهر ربيع الأول 1429هـ - بنص من كتاب الطهارة للخميني ( والمطبوع بطهران بمناسبة أسبوع الوحدة الذي دعا إليه الخمينى خداعا وتضليلا للسذج من أهل السنة ) حيث نقل عمارة عن الخميني قوله عن عائشة أم المؤمنين والزبير وطلحة ومعاوية (( بأنهم أخبث من الكلاب والخنازير !! )) ثم تساءل الدكتور عمارة : (( كيف تكون هناك وحدة أو أسبوع للوحدة من الذي يقول هذا الكلام ؟ )) اهـ . فأسقط في يده وتلجلج ولم يستطع جوابا .

أما محمد حسين فضل الله – والذي أفتى معظم مراجع الشيعة الكبار المعاصرين بضلاله وبدعته وطرده من الحوزة العلمية وأصدروا البيانات في ذلك ؛ لكونه خرجت عن المذهب في بعض الأمور وأنشأوا له موقعا خاصا بعنوان ( ضلال نت ) وضعوا فيه هذه البيانات ، فأمره عجب فبينما هو يظهر بصورة الشيعي المعتدل وأنه من دعاة الوحدة والتقريب ينكشف أمره من خلال الفتاوى التي يصدرها ! خذ مثلا : الشيخ شلتوت أفتى منذ نصف قرن بفتوى أجاز فيها التعبد بمذهب الإمامية !! وفي المقابل نجد محمد حسين فضل الله - المعتدل المزيف وداعي الوحدة والتقريب - على النقيض تماما ، فقد سئل : هل يجوز التعبد في فروع الدين بالمذاهب السنية الأربعة وكذلك المذاهب غير الشيعية ؟ فكانت إجابته : لا يجوز التعبد بأي مذهب إسلامي غير مذهب أهل البيت عليهم السلام ؛ لأنه المذهب الذي قامت عليه الحجة القاطعة والله الموفق " اهـ من كتابه ( مسائل عقائدية ص 110 ) ط دار الملاك .

........

- نقلا عن صحيفة المصريون