د. محمد مورو

أثار الشد والجذب بين الأطراف الشيعية من ناحية، والدكتور يوسف القرضاوي من ناحية أخرى، مسألة التمدد الشيعي من جديد، وهو أَمْرٌ يمثل خطورة على أكثر من مستوى.

وبدايةً، فإن الدكتور يوسف القرضاوي قيمة إسلامية، يمكن الاختلاف معها، ولكن لا يمكن الاختلاف عليها، أو الانتقاص من قدرها، أو إلصاق تهم بها، مثلما فعلت وكالة أنباء (مهر) الإيرانية! ولعله من غير المناسب هنا أن نكرر ادعاءات تلك الوكالة بحق فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، فالرجل ولا شك مع الوحدة الإسلامية، وهو من كبار مناهضي الصهيونية وإسرائيل، وهو عالم سُنِّيّ معتدل إلى أقصى درجة.

فكان من المستغرب أن تصل حملة الهجوم على شخص الدكتور القرضاوي، إلى حد دخول أطراف شيعية، كنا ومازلنا نتصورها معتدلة في إطار المذهب الشيعي، مثل آية الله محمد حسين فضل الله، وآية الله التسخيري.

على أن من الدلالات غير المريحة في هذا الصدد أن تكون الحساسية- ولا نقول التعصب الشيعي- قد وصل إلى فضل الله، و التسخيري، أم أن تصوراتنا عن وجود اعتدال داخل المذهب الشيعي هي ذاتها تحتاج إلى المراجعة ؟!!

وفي الإطار نفسه فإن وكالة (مهر)الإيرانية حين تحدثت عن أن الشباب العربي يتجاوب مع المذهب الشيعي الذي بهره انتصار حزب الله على اليهود في لبنان، وأن ذلك معجزةٌ من معجزات آل البيت!! فإنها في الحقيقة أخطأت خطأً فادحًا، فإذا كنا مع من يقف ضد إسرائيل، وليس لأنه شيعي مثلا، ونرفض حصره في ضيق المذهب، بَدَلًا من رحابة الأمة، إسلاميَّةً أو عربيةً.

وعلى هذا فإن حديث وكالة مهر على أنه نوع من معجزات آل البيت, أَمْرٌ لا يمثل لنا قناعةً؛ لأنه لا معجزات، ولا كرامات لميت بالنسبة للسنة، وهم 90%من الأمة، وبالتالي فإن حصر المسألة في هذا الإطار يصرف هذا التأييد السني عن حزب الله، وهو أمر يضر حزب الله طبعًا، بل ويَضُرُّ إيران أيضًا، ويضر الشيعة، لو كانوا يعلمون!!

وكذا فإن "تجيير" انتصار حزب الله على إسرائيل في لبنان، باعتباره طريقًا لتجاوب الشباب العربي مع المذهب الشيعي أَمْرٌ خطير، يُؤَكِّدُ مقولةً ناضلنا من أجل دحضها، وهي أن حزب الله ليس إلا طريقة أو آلية للتشيع، وهو ليس كذلك، ولكن وكالة(مهر) الإيرانية تُصِرُّ على وصفه بذلك، وتضعه في مأزق، وتدعو مناصريه من السنة وغير الشيعة عمومًا إلى عدم الحماسة له، بل ومناصبته العداء! فكانت وكالة (مهر) بما فعلته كالدب التي قتلت صاحبها !

وأما فيما يخص الحديث عن التمدد الشيعي, فإن إثارة هذا الموضوع أو فتحه في هذا الوقت"، يحمل أكثر من مضمون واتجاه وهدف، فمما لاشك فيه أن هناك رغبة أمريكية في تأجيج الصراع الطائفي في المنطقة, ومن ثم فإن بعض الحديث قد يصب في تلك الخانة، ولكنّ السكوت، وتجاهل الموضوع، وعدم فتح الجرح بطريقة صحية وشريفة، يصب أكثر في تلك الخانة.
ومن هنا يجب علينا أن نطرح الأسئلة الحرجة، وأن نجيب عليها بلا حساسية، دون أن ندفن رأسنا في الرمال.

وفي هذا الصدد يجب أن نضع مجموعة من الحقائق، كالتالي :

- أن الشيعة (الاثناعشرية، والزيدية، والإسماعيلية) يُمَثِّلُون أقلية داخل الأمة الإسلامية، ويبلغ عددهم من 10% إلى 15%من المسلمين. ويجب أن نتفاعل معهم في هذا الإطار، بمعني أنه لا يجب أن نضخم في خطورتهم، ولا أن نمارس ضدهم أي نوع من التمييز الطائفي.

- أن المشروع الأمريكي الصهيوني هو الأخطر علينا، وهذا لا يمنع أن هناك قطاعات من الشيعة تعمل من أجل المشروع الشيعي، يجب مواجهتهم، دون أن نقفز للانحياز إلى المشروع الأمريكي الصهيوني، بدعوى محاربة المشروع الشيعي.

- أننا نُؤَيِّدُ ونناصر حزب الله؛ لأنه يقاتل إسرائيل، ونؤيد امتلاك إيران للأسلحة النووية، ونحن معها ضد أمريكا. ولكن إذا مارس بعض الشيعة الدعوة إلى التشيع داخل المجتمعات السنية، فيجب أن نتصدى لهم، ونقول لهم: إن ذلك نوع من الفتن، يَصُبُّ في مصلحة أعداء الأمة .

- أن الذي أثار المشروع الشيعي، وأشعرنا بأننا سنة، هو انحياز القطاع الأكبر من شيعة العراق إلى الاحتلال الأمريكي، وهذا أثار الذاكرة التاريخية حول الدور المريب لقطاع من الشيعة الاثني عشرية في التآمر على الدولة الإسلامية، أو التحالف مع أعداء الأمة، أو الدور الشيعي ضد الدولة العثمانية، أو الدور المريب للشيعة الإسماعيلية، وامتداداتها الحشاشية وغيرهم .

إن من الحقائق التي لا سبيل إلى إنكارها أن الشيعة يقدسون الأئمة، ويرون أنهم يعلمون الغيب، ويُشَرِّعُون , وهذا شأنهم بالطبع ، ولكن من حق علماء المسلمين الحكم على هذا الأمر، وإصدار الحكم الشرعي فيه، دون أن يعني ذلك اضطهاد الشيعة أو التميز ضدهم.

ولكن من الحقائق أيضا أن الشيعة يسبون الصحابة، وخاصة أبو بكر و عمر، وهذا ليس من حقهم؛ لأن هذا يمس 90% من المسلمين..

وإن من واجب عقلاء الشيعة أن يجتمعوا، ويصدروا بيانًا، يصرحون فيه بوضوح أن سب الصحابة محرم لديهم، حتى يكون هناك احترام متبادل، وتعاون حقيقي، وليس خداعًا لبعضنا البعض .

وفي كال الأحوال، فنحن مع التهدئة , ووأد الفتنة، ومع البحث عن المساحات المشتركة، ولكن.. دون خداع أو تَقِيَّة!!

.......

- نقلا عن موقع الإسلام اليوم.