أمير سعيد

حتى لحظة ظهور هذه الصفحة عييت من مهمة البحث عن رد فعل من جماعة الإخوان المسلمين على ما صدر من هجوم متدحرج على الشيخ العلامة د.يوسف القرضاوي، والذي بات يتحرك ككرة ثلج شيعية لا تتوقف مع سكون في المقابل من القوى الإسلامية الرئيسية.

عبثاً أنقب عن موقف يتناسب مع أهمية الشخصية السنية المتعرضة للهجوم الوقح والمبتذل من قبل أقزام لم يتربوا في حياتهم إلا على كيفية ترديد حزمة من الشتائم الوضيعة واللعائن التي يضنون بها إلا على أهل السنة ورجالاتها العظام، وفي الهيجاء لا نرى منهم إلا أخس أنواع الخيانة وضاعة وانحطاطاً.

العلامة القرضاوي صرح أكثر من مرة بأنه قد تلقى عرضاً بتولي منصب المرشد العام لحركة الإخوان المسلمين التي عُد أحد كبار علمائها على مر التاريخ، وما زالت تفخر بأنه أحد أمارات مُكنة بعض علمائها في العلم والفقه والبراعة في استنباط الأحكام، وأنه قد آثر أن يكون مرشداً لكل المسلمين وأن لا يجعل بينه والناس حائلاً حزبياً ربما لا يقبلونه به ولا يتعاطون معه بترحاب وتوافق، لكنه مع ذلك يظل قامة عالية وغيمة يستظل بها الإخوان المسلمون ويفخرون بها كما كان الأوس والخزرج يفتخرون في الإسلام بعظمائهم وشهدائهم، وإلى الآن لم نسمع إلا ردود أفعال سلبية من بعض المنسوبين للجماعة على حديث الشيخ القرضاوي الذي كسر كل حواجز الدبلوماسية التي لم يجد الرجل الحكيم لها فائدة تذكر إزاء أناس لا يرعوون عن القتل والإقصاء والتجريح للمسلمين على مر العصور.

الأصوات التي سمعناها والأقلام التي كتبت ليتها صمتت وانزوت هذه المرة وأعفتنا من كلماتها المترددة ومواقفها المتراجعة؛ فكأنها من حيث أرادت الانتصار للشيخ الجليل خذلته حين ضيقت المسألة أو تعاملت معه على أنه قد سقط في زلة تربأ بنفسها عن التعليق عليها!!

مسؤول في لندن كان يحتل منصباً سابقاً ورفيعاً في الجماعة، يشرف علي بعض أعمال مركزه متنفذ شيعي، له صلات قوية بإيران، رأى "أن الوقت غير مناسب لإثارة هذا الموضوع"، ولن يكون هناك أي وقت مناسب لإثارة هذه القضية ما دامت هناك عوارض خفية تحول دون توضيح سر الصمت المطبق على ما يتعرض له الشيخ من قبل من هم أولى الناس بالدفاع عنه.

في زاوية أخرى من الساحة الفكرية الإسلامية؛ فإن من استدرك قبل شهور على الشيخ القرضاوي من خارج الإخوان ـ كما لو كان الشيخ عيياً على الرد، حاشاه ـ عندما دان رئيس الاتحاد تحركات الشيعة المشبوهة في مصر وبأنه قد وقع في "زلة لسان"، بأن الشيخ لم يكن يقصد ما قاله!!؛ ضرب الذكر صفحاً عن الحديث عن المحنة إلى الآن ولم يؤيد أو يعارض الشيخ الجليل، ولم يعلن ما الذي أفاده سفره العام الماضي لطهران لـ"وأد الفتنة" بين السنة والشيعة والتقاءه مع المسؤولين الإيرانيين الذين كعادتهم وعدوه خيراً ثم أطلقوا زاده من بعدُ ينهش في سمعة رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ويلغ فيها، ولا امتحاله الأعذار لهم بما لم يجد نفعاً بل استجلب الضباب إلى سماء الحقيقة والوعي العقدي والسياسي، ثم هو يحاول بشتى الطرق الآن أن يكسر ظهر فتوى الشيخ القرضاوي، وبدعوى لملمة الأزمة يتجاسر من داخل الاتحاد على تخطئة الشيخ العلامة، ويرقع للملالي مدعياً أنهم لم يخطئوا وأن كلامهم قد حرف من قبل تلامذتهم!!، ويختزل كل الأزمة في "هجوم الشيخ القرضاوي على هذه المراجع"!! ويسعى بكل الطرق لكي يبقي على تركيبة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بشكلها الحالي الذي يمنح للاعنين مقاعد في مصاف العلماء!!

زاوية ثالثة من هذه الساحة لصحفي بارز لم يزل مبهوراً كلما زار طهران وحل ضيفاً على مسؤوليها بنظامها السياسي، وديمقراطيتها الفذة، ويمارس دور الراتق لكل ما هو ممزق من ثوب سياستها الخارجي، تكلم كما هو متوقع أو مطلوب منه ليقول "أخطأتَ يا مولانا"، تحدث فيه عن فقه الموازنات الذي علمه إياه الشيخ القرضاوي ثم ادعى أن الشيخ تجاهله في فتواه لمجرد أنه انتقد حلفاءه الشيعة، وسوق لمسألة يدندن حولها الشيعة أيضاً وهو أن التصريحات "تشق الصف المسلم" مع أن جميع المنصفين يدركون أن نسبة الشيعة في العالم لا تمثل بحال 5% فعن أي شق يتحدث؟ وهو موقف متوقع ممن نشك كثيراً في كونه ما زال سنياً أم لا!!

وزمرة من "الخبراء" من غير التوجه الإسلامي برزوا يخطئون الشيخ القرضاوي في جهره بما يعتقد وهو الشيخ المسن الذي لا يريد أن تؤخذ حكمته سلماً لتلبيس الآخرين على الناس أمر دينهم ودنياهم وسياساتهم؛ فانبروا يعلمون الشيخ الموسوعي ما الذي ينبغي أن يقال وما لا ينبغي، وكأن صمت الشيخ سابقاً قد حال دون انسياب أنهار الدم في طرقات بغداد حتى كاد أن يخلو منها شباب السنة، وتهيأت لانسحاب الأمريكان منها إلى خارجها واستيلاء الفرس الكامل عليها، أو أن كلامه الآن سيجلب ما هو أسوأ من ذلك.

وقد يكون لكل فريق حساباته السياسية التي تحدوه أن يتريث بما له من علاقات يراها تصب في صالح المسلمين ويختلف معه الآخرون حولها، أو يراها تصب في مصلحته الشخصية، لكن المشهد برمته ينم عن أن الشيخ يخوض معركته الجريئة وحده وأقرب أنصاره في واد آخر.

أيضاً، قبل شهرين ونيف، شَرُفَ مجمع البحوث الإسلامية التابع لمشيخة الأزهر بجمهورية مصر العربية بمنح عضويته لفضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، بعد موافقة الرئيس المصري على ترشيح المجمع له، وهو ما ألقى بدوره مسؤولية إضافية على المجمع ـ بخلاف مسؤوليته ابتداء في الدفاع عن كل عالم فضلاً عن كل مسلم ـ لاعتبار الشيخ قد أضحى أحد منتسبيه، والأمر ذاته ينطبق على المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة الذي يترأسه الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر والذي يشغل الدكتور القرضاوي عضويته منذ فترة، وكذلك مجمع اللغة العربية منذ سنوات..

كثيرة إذن هي الجهات التي ننتظر ـ وما زلنا ـ جهدها في الوقوف مع الشيخ في محنته التي يخوضها وحده في أعقاب هجوم آخر لم يسبق له مثيل من سفهاء الأحلام في منتديات الجهالة والتكفير التي لا تزيد الأمة إلا خبالاً وتراجعاً وانشغالاً بما يهدم ولا يبني ويربى الأغرار على تسفيه العلماء والنيل منهم بل وتكفيرهم لاسيما أبرز العلماء المعاصرين/ الدكتور يوسف القرضاوي مثلما يحدث بشكل يومي في بعضها من أشباه المتدينين ومدعيي الجهاد الوهمي.

الحراب تنهمر على الشيخ، ومعركة تكسير العظام على أشدها ممن يقدسون الملالي لحد الطاعة المطلقة، وفي المقابل يقف أبرز علمائنا وحده في الميدان ويتخلى عنه الأقربون ويتردد الآخرون لأنهم ما زالوا يختلفون معه في بعض فتاوى الفروع..

لله أنتم!! كيف يواجه الأنصار اللحظة وينسون المهمة ويجهلون المرحلة؟! وما الذي تعنيه النصرة في نظر الكثيرين منا أو ما الذي ننتظره لنقول كلمة مساندة على الأقل؟!

في المقابل، تبادل الطرف الآخر الأدوار؛ فشاتم ومطالب بطرد الشيخ من قطر استناداً إلى إقامته في دولة تعتبرها إيران قريبة منها على الأقل فيما تعلنه، ومرطب للأجواء بدعوى أن العتب على قدر المحبة للشيخ!! مثلما فعل حسن الصفار بالسعودية، ومدين للتصريحات فقط، ومنادٍ بالرد.. ثم كانت الحيل تترا؛ فالمشكلة اختزلتها المرجعيات ووسائل الإعلام فقط في تحذير الشيخ من التمدد الشيعي، وكأن خلاف السنة مع الشيعة هو في حيز دعوة الأنصار والتابعين وهي مسألة فرعية من الممكن أن يفعلها أي حزب أو قوة داخل أي صف في إطار تنافسي ولا تخدش عقيدة هذا أو ذاك، وتم تجهيل حديث الشيخ عن مسألة سب الصحابة وخروج هذه الفرقة من دائرة الفرق الناجية وما إلى ذلك لتبسيط الخلاف على الجماهير والتلبيس عليهم.

وخرجت أخرى بتضخيم آراء من هم على أطراف الوسط العلمي السني للاستدلال بهم على "خطأ" الشيخ، وجالت ثالثة على الخاصرة الرخوة المرتشية من بعض منتسبي العلم ومدعيي ريادة الفكر فيه وبعض الصحفيين المشاهير جداً والذين يعدون في حس البعض إسلاميين ووطنيين وهم لإيران أقرب منهم لبلدانهم وللتشيع أقرب منهم إلى السنة للقيام بـ"مساع حميدة" لاحتواء الأزمة، وكأن احتواء الأزمة هذا سيعيد لنا العراق أو سيجعل الصحابة محل احترام وتقدير من لاعنيهم!! وهكذا..

إن القضية على أهميتها لاستهدافها عالماً جليلاً من علماء المسلمين السنة، لا تقف عند هذا الحد؛ فالمسألة تعبر إلى مرحلة الانكشاف وترك التقية كنوع من التنمر الذي تسمح به المرحلة؛ فالطريق سالكة ومن حق الآخر أن يسلك ولو على جسد الشيخ الجليل؛ فإلى الله نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس..

......

- نقلا عن موقع المسلم