محمد أبو رمان

جَلَبَةٌ كبيرة أُثِيرَتْ حول تصريحات القرضاوي، المتعلقة بمحاولات إيران اختراق المجتمعات السنية، والقيام بعملية نشر التشيع في مجتمعات عربية.

ولا تزال تُحْدِثُ هذه التصريحات تداعياتٍ كبيرةً، لعل أبرزها تلك الحرب الإلكترونية التي تشنها مواقع إعلامية تابعة لمؤسسات دينية وسياسية إيرانية وشيعية، تجاوزت حدود الاختلاف والفكر والعقل، إلى منطق الشتيمة والتحريض ضِدَّ الرجل، الذي لم تَشْفَعْ له كُلُّ مؤتمراتِ التقارُبِ والتعايش التي حضرها، بل كان أحد أركانها، ولم يُخَفِّفْ من حمأة الحملة – كذلك- علاقاته بالمراجع الشيعة، الذين لم يتردد بعض كبارهم عن الرد عليه، مُحَرِّفِينَ كلماته ومقاصده عن موضعها الحقيقي.

المفارقة أنَّ عددًا من القيادات الفكرية والإسلامية السنية انضمّوا إلى تلك الحملة الرافضة للتصريحات، بصورةٍ غير مباشرة. ولعلَّ بعضهم من المقربين من الشيخ القرضاوي نفسه، ومن رفاقه في رحلة الفكر والدعوة والحركة الإسلامية!

وبعيدًا عن الحملة الإيرانية القاسية، فإنّ مآخذ أصدقاء القرضاوي عليه أنه يُشْعِلُ حربًا ليس وقتها، وأنه بتصريحاته هذه يُوقِظُ فتنةً بين المسلمين، ويهدم جدران الوحدة الإسلامية، فضلًا عن أنه يَخْدُمُ مخططات الأعداء في التشكيك بحزب الله، وبتفكيك الصف الإسلاميّ.

سبحان الله! بين ليلةٍ وضحاها يتحول القرضاوي في عيون بعض مناصريه من المدافع عن الإسلام، وفقيه الأمة، وعقل الحركة الإسلامية المعتدل، إلى رجل يخلق الفتن، ويفرق الصف، ويخدم الأعداء.

شخصيًّا، ومن خلال خبرةٍ بحثيةٍ وإعلاميةٍ اشتبكتُ فيها مع ما يُثَارُ حول التشيع بخاصة في الأردن وسورية وفلسطين، أذهبُ إلى أنّ القرضاوي لم يُخْطِئ، وأنه مارَسَ دورَهُ التنويريَّ الفكريَّ الصحيح.

و في المقابل فإنّ ناقديه (من أنصاره) لم يستطيعوا رؤية الواقع خلف سحب الأيديولوجيا والتعبئة النفسية التي يمارسونها إعلاميًّا وسياسيًّا ضد "الخطر الخارجي"، دون الانتباه إلى "الخطر الداخلي".

القرضاوي ليس مُسَعِّر فتنة ولا حرب، فهو من المشهود لهم بالاعتدال، والدفاع عن الوحدة الإسلامية، والتجميع والتقريب بين المذاهب الإسلامية، ورفض التطرف والعنف والتفرقة. بل إنّ الرجل معروف باندفاعه في تأييد المقاومة الإسلامية، ورفض الاحتلال والهيمنة، وهذا دَيْدَنُهُ في منهجه الفكري، ومواقفه السياسية.

لكنّ حقيقة الأزمة الحالية تتبدى في حالة الضعف في الوسط السُّنِّي اليوم، (ذلك) الضعف الذي يتجاوز الحكومات العاجزة عن مواجهة التحديات، إلى العلماء والمثقفين والفقهاء، الذين باتوا يشعرون بـ"عقدة نقص" تجاه الصعود الإيراني والشيعي الأخير، مع تراجُعِ الدول والمجتمعات العربية السنية في مختلف الميادين، بينما إيران تحقق اختراقات في النفوذ السياسي والإقليمي، وتدعم قوى وأحزابًا، حَقَّقَتْ وجودًا واقعيًّا ملحوظًا، كما هي الحال في حزب الله اللبناني!

وثمة اتجاهان في الوسط الإسلامي السني اليوم، الأول: ينبش القبور، ويستحضر الخلافات التاريخية من جديد، ويستعدي الجميع، تحت عنوان "نحن الفرقة الناجية"، فلا يقيم وزنًا لفقه المصالح والموازنات والأولويات، فيبدو خطابه وكأنه قادِمٌ من التاريخ، وملتصِقٌ به، غائبٌ عن الواقع والحاضر. أمّا الاتجاه الآخر، ولا تنقص أزمته عن الأول، فهو الذي يتحدث بلغةٍ مثالِيَّةٍ عاطفية، مليئة بالشعارات والمبادئ المتفق عليها نظريًا، لكنها عمليًّا بعيدة عن موازين القوى، وعن نوايا الأطراف المختلفة الحقيقية.

ما فعلة القرضاوي أنه تجاوز الاتجاهين معًا، واجترح طريقًا ثالثةً، توازن بين اعتبارات الوحدة الإسلامية والمصالح العامة والحوار بين المذاهب من جهة، وبين القراءة الواقعية الصحيحة للواقع من جهة أخرى، تلك القراءة التي لا تُزَيِّنُ الواقع، ولا تختزله، بل تقرأ إحداثياته باحتراف ودقة شديدة.

القرضاوي وإن كان يؤمن بالاعتدال والوحدة، إلاّ أنه يدرك تمامًا أن هذا الإيمان لا يجوز أن يكون اسمًا حركيًّا لتمرير أجندة واضحة فاعلة خلال السنوات الأخيرة، تهدف إلى نشر التشيع الديني في العديد من الدول العربية؛ لتخدم أهدافًا سياسية إيرانية، ولعلّ هذه ليست المرة الأولى التي يحذر فيها القرضاوي مراجِعَ الشيعة، بأن سياسة التبشير المذهبي بهذه الصورة هي بمثابة "خَطٍّ أحمر"، لا يمكن غض الطرف عنه.

لا يستطيع القرضاوي، كذلك، أن يقفز بدعوى "وحدة الصف بين المسلمين" على الدور التخريبي الذي تمارسه السياسة الإيرانية في المنطقة، فتدعم الاحتلال، وتُمَهِّدُ له في باكستان وأفغانستان، وتدعم القوى الشيعية المتطرفة في العراق، وتدفع باتجاه الإخلال بالمعادلة السكانية- الطائفية في بغداد؛ لتغيير هويتها، وفي الوقت نفسه تزعم دعم القضية الفلسطينية ضد إسرائيل!! لكنها في حقيقة الأمر تتعامل مع القوى المقاومة باعتبارها ورقةً في الصراع مع "الشيطانين الأكبر والأصغر"!

ما يدركه القرضاوي، ببصيرةِ الفقيه، أنّ ما يُحَرِّكُ إيران هي فقط مصالحها القومية، حتى ورقة "التشيع الديني" لا تعدو أن تكون أداةً لخدمة المشروع الإيراني في المنطقة، وهو ما لا يجوز الصمت عليه من قِبَلِ الفقهاء والعلماء، والاتكاء على قراءة عاطفية تدغدغها الشعارات وحدها.

فإذا كانت المصالح هي اللغة المفهومة اليوم في إيران، فإنّها اللغة التي ينبغي أن يتحدث بها العلماء والفقهاء العرب السنة، وهي ما حاول القرضاوي استنطاقه في تصريحاته الأخيرة.

المسألة، إذن، ليست تحريضًا على الشيعة، ولا اصطيادًا في الماء العكر، وإنما هي وضع الأمور في نصابها، وتحديد مساحات الاتفاق والتعاون والمناطق الحمراء التي يَجْدُرُ الانتباه لها، واليقظة حولها.