د. يوسف القرضاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن اتَّبع هداه.

(وبعد)

للعبادات أهداف تحقُّقها في الحياة:

فرض الله العبادات في الإسلام لتحقِّق أهدافًا في الحياة، ولتُجتَنى من ورائها ثمرات للإنسان في أولاه وأخراه، تحقِّق هذه العبادات كمال العبودية لله وحده، أن يقول الله تعالى: أمرتُ. ويقول العبد: أطعتُ وامتثلتُ، {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:258].

وجاءت هذه العبادات تحقِّق أهدافًا أخلاقية، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهِّرهم وتزكِّيهم بها، والصيام {لعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]، والحجُّ جاء يؤدِّي أيضًا أهدافًا كبيرة، أخلاقية وإنسانية وعالمية، كما قال الله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج:28].

تحقيق قيمة المساواة:

جاءت العبادات تحقِّق المبادئ والقيم الإسلامية في واقع الحياة، فمن قيم الإسلام التي جاء بها والتي نراها واضحةً في عبادات الإسلام كلِّها، قيم المساواة، وهذا نراه واضحًا في كلِّ العبادات، فهي تُفرَض على الجميع على سواء، لا يُعفَى منها الغني لغناه، ولا ذو حسبٍ لحسبه، ولا ذو سلطان لسلطانه.

الصلاة مفروضة على الجميع، الزكاة مفروضة على الجميع، الصوم مفروض على الجميع، لا يستطيع الصائم أن يتحلَّل من الصوم بأن يدفع مبلغا من المال كبُر أو صغُر، لا يستطيع إنسان أن يستعفي من الصلاة بأن يدفع شيئًا ما، أراد بعض الملوك يوما أن يسأل بعض العلماء: هل يستطيع أن يُعفَى من صلاة الفجر بأن يدفع ما شاء من المال؟ أي مبلغ من المبالغ يدفعه للفقراء لبناء مساجد، لإقامة مشروعات، فقال له أحد العلماء: ألم تسمع قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "ركعتا الفجر خيرٌ من الدُّنيا وما فيها"؟([1]) ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، فكيف تستعيض عن هاتين الركعتين بشيء مما تملك من الدنيا؟! العبادات مفروضة على الجميع.

في الصلاة تتحقَّق المساواة، من قَدِم مبكِّرًا احتلَّ الصف الأول، أيًّا كانت درجته في سلم المراتب في الناس، يستطيع أن يحتلَّ الصف الأول إذا وصل مبكِّرًا، ثم لا يزال يتأخَّر كلَّما تأخَّر به القدوم.

ولكن في الصلاة يظلُّ الناس متمايزين، بملابسهم، هذا يلبس ثيابًا بعشرة دراهم، أو عشرين درهمًا، وذاك يلبس بألف درهم، وهذا يلبس غُترة وعقالاً، وذاك يلبس عمامة، وهذا يلبس جُبَّة، وذاك يلبس بذلة.

الناس متفاوتون بأزيائهم حسب طبقاتهم، وحسب بلدانهم، وحسب أعرافهم، فيأتي الحجُّ ليزيل هذا كلَّه، ويطلب من الناس جميعًا أن يتجرَّدوا من ملابسهم، ويلبسوا تلك الثياب البيضاء، الشبيهة بأكفان الموتى، لا يكاد يُعرَف أمير من خفير، ولا غنيٌّ من فقير، ولا حاكم من محكوم، بعد أن لبسوا هذه الثياب، وأحرموا لله ربِّ العالمين، ونادوا بهذا النداء: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"[2].

تقف بعرفة فتجد الألوف ومئات الألوف، بل الملايين في هذه الثياب البيضاء، جاؤوا من أقطار مختلفة، ومن بلدان شتَّى، ويتكلَّمون باختلاف الألسن، وترى هناك الألوان والأعراق، ولكن كلُّهم لبسوا هذه الثياب، ووقفوا هذا الموقف ملبِّين داعين مهلِّلين مكبِّرين متضرِّعين، جاؤوا "شُعثًا غُبرًا ضاحين"[3]، يسألون الله الرحمة وستعيذون به من العذاب. هذه هي المساواة الحقَّة.

الإسلام أقرَّ حقوق الإنسان قبل الحضارة المعاصرة:

قبل أن يعرف الناس مواثيق حقوق الإنسان، جاء الإسلام فأقرَّ حقوق الإنسان، وفي الحجِّ خطب النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حجَّة الوداع وهي الحجَّة الوحيدة التي حجَّها صلَّى الله عليه وسلَّم في أواخر عمره، قبل أن يموت بنحو ثمانين يومًا ويلقى ربَّه، ونزل فيها قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3]، في هذه الحجَّة خطب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عدَّة خُطب، كلُّها أكَّد فيها حقوق الإنسان وحرمات الإنسان، في يوم عرفة قال صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كلُّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع - أي: ملغى وباطلاً ولا أثر يترتب عليه - ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هُذيل - لا يطالب أحد بدم مما كان في الجاهلية، الثَّارات بين النَّاس والقبائل انتهت - وربا الجاهلية موضوع - أي: ملغى مردود لا أثر يترتب عليه - وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كلُّه". لا يجوز أن يُطالِب بشيء زيادة على رأس ماله، {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279]. ثم أوصى صلَّى الله عليه وسلم بالنساء خيرًا فقال: "اتَّقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يُوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهنَّ ضربًا غير مُبَرَّحٍ، ولهنَّ عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف"([4]).

وجاء في يوم النحر فأكَّد هذا أيضًا فقال: "أيُّ يوم أعظم حرمة؟". فقالوا: يومنا هذا. قال: "فأيُّ شهر أعظم حرمة؟". قالوا: شهرنا هذا. قال: "أي بلد أعظم حرمة؟". قالوا: بلدنا هذا. قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا"([5]).

وفي أيَّام مِنى أيام التشريق خطب الناس خطبة فكان مما قاله فيها: "يا أيَّها الناس، إن ربَّكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"([6]). وهكذا ثبَّت معنى المساواة.

لا مبرر لتكبُّر الناس على بعض:

ليس هناك داعٍ ولا مبرِّر ولا مسوِّغ لأن يستكبر بعض الناس على بعض، أو يتميَّز بعض الناس عن بعض، ما دام الأب واحدًا، والربُّ واحدًا، الجميع عبيد لربٍّ واحد، خلقهم فسوَّاهم، هل خلقك الله وخلقني فلان وعلان؟ كلُّنا مخلقون لربٍّ واحد، كلُّنا عبيد لله

{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم:93-95]، لا ينبغي لأحد أن يزعم أنه ربٌّ لأحد، ليس هناك إلا ربٌّ واحد، هو الله تبارك وتعالى، هو وحده الذي تُطأطِئ له الجباه، وتنحني له الظهور، وتمتد إليه الأيدي بالسؤال. ومَن عداه فكلُّهم سواء، كلُّهم عباد لله تعالى، ولذلك كانت رسائل النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ملوك الأرض مختومة بهذه الآية: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران:64]، الربُّ واحد، والأبُ واحد، كلُّكم لآدم، وآدم من تراب، لستَ مخلوقًا من اللؤلؤ المكنون، وأنا مخلوق من الصلصال والحمأ المسنون، كلُّنا من هذا التراب، من هذا الطين، من هذا الطين الصلصال.

لم تُخْلَق أنت من المسك والكافور، أنت من التراب والطين والحمأ، فلماذا تستكبر عليَّ؟ لماذا تدَّعي أنَّك أعلى منيِّ مقامًا، وأرفع مني درجة؟ كلُّنا لآدم، وآدم من تراب، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

لا يجوز لأحد أن يتألَّه على أحد، أن يدَّعي أن هذا عبدٌ له وهذا ربٌ له، نحن جميع عبادٌ لله، ونحن جميع أبناء لآدم، نشترك معًا في العبودية لربِّ الأرباب، ونشترك معًا في البنوَّة لآدم، نحن أخوة، هذا ما رواه الإمام أحمد رحمه الله من حديث زيد بن أرقم قال: كان نبيُّ الله صلَّى الله عليه وسلم يقول في دبر صلاته: "اللهم ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيدٌ أنك أنت الربُّ وحدك لا شريك لك، اللهم ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، اللهم ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، أنا شهيد أن العباد كلَّهم إخوة"([7]).

أول شيء شهد لله بالوحدانية، والأمر الثاني شهد لمحمد بالعبودية والرسالة، والأمر الثالث شهد بإخوَّة العباد كلِّ العباد بعضهم لبعض، "أن العباد كلُّهم إخوة". أنت أخي وأنا أخوك، في الإنسانية، في البشرية. (يتبع)

ــــــــ

[1]- رواه مسلم في صلاة المسافرين (725)، عن عائشة.

[2]- رواه البخاري (1549)، ومسلم (1184) كلاهما في الحج،عن عبد الله بن عمر.

[3]- رواه أبو يعلي (2090)، وابن خزيمة في المناسك (2840)، وابن حبان في الحج (3853) وقال الأرناؤوط: حديث صحيح، عن جابر بن عبد الله.

[4]- رواه مسلم في الحج (1218)، عن جابر.

[5]- متفق عليه : رواه البخاري في  العلم (67)، ومسلم في  القسامة (1679)، عن أبي بكرة.

[6]- رواه أحمد (23489) وقال مخرجوه: إسناده صحيح، عن من سمع خطبة النبي صلي الله عليه وسلم.

[7]- رواه أحمد (19293) وقال: إسناده ضعيف، وأبو داود في الصلاة (1508)، والطبراني (5/ 210) وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (325)، عن زيد بن أرقم.