د.يوسف القرضاوي

فكرة الانتماء إلى الإسلام، وإلى أمة الإسلام، وإلى دار الإسلام، التي كانت سائدة في القرون الماضية منذ عصر النبوة، فعصر الراشدين، فعصور العباسيين والعثمانيين: قد لا تكون مقبولة عند غير المسلمين. على أساس أن أصل هذا الانتماء ديني، ينطلق من القرآن والسنة.

هذا مع أن فقهاء المذاهب المختلفة جميعا، قرَّروا: أن غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وهم الذين يعبَّر عنهم في الاصطلاح الفقهي بـ(أهل الذمة) يعدُّون من (أهل دار الإسلام). فهم من (أهل الدار) وإن لم يكونوا من (أهل الملَّة).

وفي اجتهادي: أن كلمة (أهل الدار) هذه تمثِّل مفتاحا للمشكلة، مشكلة المواطنة، لأن معنى أنهم (أهل الدار) أنهم ليسوا غرباء ولا أجانب، لأن حقيقة معناها: أنهم أهل الوطن، وهل الوطن إلا الدار أو الديار؟

وإذا ثبت أنهم أهل الوطن، فهم (مواطنون) كغيرهم من شركائهم من المسلمين.

وبهذا تحلُّ هذه الإشكالية من داخل الفقه الإسلامي، دون الحاجة إلى استيراد مفهوم المواطنة من سوق الفكر الغربي.

فإن هذا المفهوم المستورد قد يحلُّ مشكلة الأقليَّات الدينية من مسيحية ويهودية ومجوسية ونحوها، ولكنه ينشئ مشكلة عند المسلم، إذ يفرض عليه الانفصال عن انتمائه الديني، وولائه الديني. وهو أمر يدخل في الفرائض، بل ربما في العقائد.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً} [النساء:144]، {لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة:23]، {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51].

والظنُّ بأن الدين لم يعد أساسا في حياة الناس، بعد أن غزته الأفكار العلمانية والليبرالية والماركسية: ظنٌّ غير صحيح، إلا في القليل من النُّخب. فما زال سلطان الدين قائما لدى الجمهور الأعظم من الناس.

فكيف تحلُّ مشكلة الأقلية، ونخلق في الوقت نفسه مشكلة عند الأكثرية؟

وما يضير غير المسلم أن يكون مواطنا في (دار الإسلام) سواء كانت دار الإسلام الكبرى، التي تشمل كلَّ ديار الإسلام حين تضمُّهم قيادة (خلافة) واحدة، أو (دار الإسلام) المحدودة بحدود إقليم أو قُطر معيَّن.

ربما يكون الإشكال هنا، هو التخوُّف من عدم تطبيق مبدأ المساواة على الجميع، وتمييز المسلم على غير المسلم في مجالات معيَّنة، في حين أن المواطنة تفترض المساواة بين جميع المواطنين.

وهذا التخوُّف وارد، وله ما يبرره، ولهذا يلزمنا فقها: أن نقرِّر فكرة المساواة بين أبناء دار الإسلام على أساس مبدأ: لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. ولا تمييز إلا فيما تقتضيه طبيعة الخلاف الديني.

ولا بد من حذف كلمات ومصطلحات تاريخية من قاموس التعامل المعاصر، مثل كلمة (ذمَّة) و(أهل ذمَّة) التي لم يعُد يقبلها غير المسلمين. فلم يتعبَّدنا الله بهذه الكلمات، وقد حذف عمر ما هو أهم منها، حين اقتضت المصلحة العليا ذلك، فحذف كلمة (جزية) حين طلب منه ذلك نصارى بني تغلب، وقالوا: إننا قوم عرب، ونأنف من كلمة (جزية)، ونريد أن نأخذ ما تأخذ منا باسم (الصدقة)[1]. ورضي منهم ذلك، معتبرا أن العبرة بالمسمَّيات والمضامين، لا بالأسماء والعناوين.

الأخوة الوطنية

بل أقول: إن الاشتراك في الوطن يفرض نوعا من الترابط بين المواطنين بعضهم وبعض، يمكن أن نسمِّيه (الأخوة الوطنية) فكلُّ مواطن أخ لمواطنه، وهذه الأخوة توجب له من حقوق المعاونة والمناصرة والتكافل ما يستلزمه معنى (الأخوة) أي الانتماء إلى أسرة واحدة.

وقد يعترض بعض الإسلاميين من الحرفيين والمتشدِّدين على اطلاق الأخوة خارج الإطار الديني. فليس عندهم أخوة إلا أخوة الإيمان، أي الأخوة الدينية، ولا اعتراف بأيِّ أخوة سواها.

ودليلهم على ذلك قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، وقوله عن المؤمنين: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} [آل عمران:103].

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم"[2].

ونحن نؤمن بأصالة الأخوة الدينية القائمة على الإيمان، ونرى أنها أعمق أنواع الأخوَّات. كما عرَفنا ذلك في سيرة الصحابة والمسلمين الأُوَل، وكيف فاقت هذه الأخوة أخوة النسب والدم في وقائع شتَّى.

ونرى هذه الأخوة تذيب كلَّ الفوارق بين الناس، من عنصرية ولونية وإقليمية ولغوية وطبقية، وتُعلي عنصر الدين على كلِّ هذه الأشياء، فترى المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، يألم سائر الجسد إذا اشتكى عضو منه[3]. وترى المؤمن الأبيض في أوربا يشعر بأخوة عميقة بينه وبين المؤمن الأسود في إفريقيا، فقد ربط بينهما الإيمان الواحد.

ومع اعترافنا بذلك نؤكِّد: أن هذه الأخوة على عمقها، لا تمنع من وجود أنواع أُخَر من الأخوَّات. مثل الأخوة الوطنية أو القومية، ومثل الأخوة الإنسانية.

وقد ناقشني أحد المتشدِّدين يوما، معترضا على قولي: (إخواننا الأقباط). بأن الأخوة إنما تكون بين المسلمين بعضهم وبعض، والأقباط نصارى، فكيف يكونون إخواننا؟

قلتُ له: إن الأقباط إخواننا في الوطن، وإن لم يكونوا إخواننا في الدين، يجمعنا وإياهم وطن واحد.

قال: وهل هناك أخوة غير أخوة الدين؟

قلتُ: نعم، هناك الأخوة الوطنية، والأخوة القومية، والأخوة المهنية، والأخوة الإنسانية ... إلخ.

قال: وما الدليل الشرعي على ذلك؟

قلتُ: الدليل على هذه الأخوَّات: وجودها في عالم الناس وواقعهم. وإن كان ولا بد من دليل من نصوص الشرع، فها أنا أسوقه إليك من القرآن الكريم.

اقرأ معي قول الله تعالى في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:106].

{كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ...} [الشعراء:124،123].

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:142،141].

{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:161،160].

فكلُّ هؤلاء الأقوام كذَّبوا رسلهم وكفروا بهم، ومع هذا عبَّر القرآن عن علاقة رسولهم بهم بأنه علاقة (الأخوة) {قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ}. وذلك لأن هؤلاء الرسل كانوا منهم، ولم يكونوا أجانب عنهم، فتربطهم أخوَّة قومية.

وفي هذه السورة نفسها عرضت قصة شعيب مع أصحاب الأيكة فقال تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:177،176]. ولم يقُل كما قال في الرسل السابقين: إذ قال لهم أخوهم شعيب، لماذا؟ لأن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة، بل كان غريبا عنهم، وإنما كان من مَديَن، فهم قومه وليسوا أصحاب الأيكة، ولهذا قال في سورة الأعراف وفي سورة هود وفي سورة العنكبوت: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} [الأعراف:85، هود:84، العنكبوت:36].

فهذا يدلُّنا على أن الأخوة ليست دائما دينية، بل قد تكون وطنية أو قومية، أو غيرها.

وهنا لم يجد المعترض بُدًّا من التسليم، وهل يعارض مسلم دلالة القرآن الكريم؟

وإذا ثبتت الأخوة، فقد ثبت ما تقتضيه وتستلزمه من المحبَّة والمساواة والتضامن، إذ لا معنى للأخوة بغير هذا.

متى تحدث الإشكالية في قضية الوطنية والمواطنة:

ما ذكرناه إذن حول قضية الوطن والوطنية والمواطنة: مُسلَّم به في الجملة على الأقل، ولا ينبغي أن يختلف فيه إسلامي وغير إسلامي.

فمتى تحدث الإشكالية بين الطرفين، بحيث يبدوان وكأنهما خصمان؟ ولماذا تحدث هذه الإشكالية؟

إنها تحدث لعدَّة أسباب يمكن التغلُّب عليها كلِّها بيسر، إذا صفت النيَّات، وصحَّت العزائم.

1- عند تعارض الولاءات والانتماءات:

فالإنسان في واقع الأمر ليس له انتماء واحد، فقد تتعدَّد انتماءات الإنسان باعتبارات شتَّى، ولا نجد أيَّ تناقض بينهما.

فالإنسان ينتمي إلى أسرته، وينتمي إلى قريته، وينتمي إلى محافظته، وينتمي إلى قُطره أو وطنه، وينتمي إلى إقليمه، وينتمي إلى قارَّته، وينتمي إلى دينه، وينتمي إلى أمَّته (الكبرى المؤسَّسة على الدين)، وينتمي إلى الأسرة الإنسانية.

ولا حرج في ذلك ولا ضير، فهذه الانتماءات غير متعارضة ولا متناقضة، بل هي تعبِّر عن حقائق قائمة بالفعل، والعلاقة فيما بينها علاقة الخاص بالعام، والأخصِّ بالأعمِّ، وما بينهما.

إنما تحدث الإشكالية حين يتعارض الانتماء إلى الوطن والولاء له، مع انتماءات وولاءات أخرى يلتزم بها الإنسان.

وذلك مثل: الانتماء إلى الدين والولاء له.

ومثل: الانتماء إلى القوم والولاء لهم.

ومثل: الانتماء إلى البشرية والولاء لها.

فأيُّ هذه الولاءات والانتماءات أولى بالتقديم على غيرها؟ أعني: إذا تعارض الولاء للوطن والولاء للدين، فأيُّهما يقدم، وبأيِّهما نضحِّي؟

الذي يظهر في هذه الحالة: أنه في حالة التعارض بين الدين والوطن، فإن الدين هو المقدَّم، لأن الوطن له بديل، والدين لا بديل له.

ولهذا رأينا الرسول الكريم وأصحابه حين تعارض الدين والوطن: هاجروا في سبيل الله وضحُّوا بالوطن الذي ضاق بعقيدتهم، وصادر دعوتهم، وفتنهم في دينهم. كما قال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:40].

وقال سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8].

وقال عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:59].

وقد بيَّن القرآن الكريم في مفاصلة واضحة وحاسمة: أن دين المسلم أعزُّ عليه، وأحبُّ إليه من كلِّ شيء سواه، مما يعتزُّ به الناس ويحرصون عليه، وذلك في قوله تعالى في سورة التوبة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].

وبهذا يتبيَّن بما لا شك فيه: أن دين المسلم المعبَّر عنه بحبِّ الله ورسوله: يجب أن ترجح كفَّته على كلِّ الروابط والقِيَم الأخرى، بما في ذلك الآباء والأبناء، والإخوة، والأزواج، والعشيرة، والأموال، والتجارة، والمساكن التي يرضونها. وهذه العبارة تعبِّر عن الأوطان التي رضوها وارتبطوا بها ماديًّا وعاطفيًّا.

2- اقتران الوطنية بالعلمانية

وتحدث المشكلة لدى بعض الإسلاميين، فتراهم يعارضون أو يتحفَّظون على فكرة (الوطنية) انطلاقا من أن (الوطنية) مسكونة بـ(العِلْمانية) التي تفصل الدين عن الدولة، بل عن الحياة. على خلاف ما هو معروف عن شمولية الإسلام، الذي عرَفه الناس من مصادره الأصيلة: عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، دعوة ودولة، دينا ودنيا. وعرَفوا: أن الدين هو إحدى الضروريات أو الكليَّات الخمس التي جاءت بها الشريعة، التي شرعها الله لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد.

ونقول هنا: إن الوطنية في ذاتها لا تحمل أيَّ مضمون أيديولجي، لا مضمون (ديني) ولا (لاديني) (علماني)، بل هي محايدة، وقابلة لأن تحمل ما تحمَّل، من حقٍّ أو باطل.

وليست كلُّ النزعات الوطنية التي رأيناها علمانية، بل رأينا نزعات وطنية مُشبعة بالروح الإسلامية، مثل: (وطنية مصطفى كامل) الذي كان متعاطفا مع دولة الخلافة الإسلامية، ومثل حركات التحرُّر الوطني في كثير من الأقطار الإسلامية، فقد كانت هذه الحركات التي قامت لمحاربة الاستعمار، وطرده من بلادها، والحصول على السيادة والحرية: ذات جذور إسلامية، وحوافز إسلامية، كما في الجزائر وبلاد الشمال الإفريقي العربي، وكثير من البلاد في آسيا وإفريقيا، وهو ما اعترف به المؤرخ الأمريكي المعروف (برنارد لويس) في كتابه (الغرب والشرق الأوسط) بأن حركات التحرير في البلاد الإسلامية المختلفة، كان يقودها ويوجِّهها الزعماء الدينيون في شتَّى البلدان.

ومثل ذلك: النزعات القومية، فليست القومية في ذاتها علمانية، ولكن دعاة القومية في بعض الأوقات كانوا علمانيين، ليبراليين أو ماركسيين، فظنَّ مَن ظنَّ: أن القومية لا بد أن تكون علمانية.

وليس من الضروري أبدا أن تكون الوطنية أو القومية علمانية.

3- الغلو في الوطنية حتى تصبح بديلا عن الدين

وتحدث المشكلة أيضا حين يغلو بعض الوطنيين في فكرة الوطنية، أو عاطفة الوطنية، حيث نرى بعضهم يجعلون الوطن مقابل (الدين) أو بديلا عن الدين، وإن شئتَ قلتَ: مقابل (الله) أو بديلا عن (الله)، فكما تبدأ الأمور (باسم الله) تبدأ باسم الوطن، وكما يُقسم الناس بالله، يُقسمون بالوطن، وكما يعمل الناس لوجه الله، يعملون لوجه الوطن!!

وكأن الوطن أصبح إلها، أو وثنا يشركونه مع الله عزَّ وجلَّ. مع أن المسلم قد جعل محياه ومماته كما جعل صلاته ونسكه لله، كما قال تعالى لرسوله: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام:163،162].

والحسُّ الديني عند المسلم يرفض أن يقرن باسم الله اسما آخر، أو يُقسم بأحد أو بشيء مع الله، أو يعمل عملا لوجه غير وجه الله، ناهيك أن يفرده.

ولقد رأينا النزعة الوطنية، حين تمزَّقت مظلَّة الخلافة الإسلامية، وانفرط عقد الأمة الواحدة، والدولة الواحدة، لتصبح أُمما أو أُميمات، أو دُولا أو دُويلات! تحاول كلُّ دولة أن تعزِّز وجودها (الوطني) الجديد، بفلسفة جديدة، ومفاهيم جديدة، يراد بها أن تبدِّل الولاء لله ولرسوله وللأمة المسلمة الكبرى، لتجعل بدله الولاء للوطن الصغير، الذي يُنبئ عنه عَلَم خاص، واسم خاص، وحدود خاصَّة، وتُنشد له الأشعار، وتُنشأ له الأناشيد، لتتعلَّق القلوب به، وتتَّجه المشاعر إليه.

وأذكر أننا حين كنا تلاميذ بالمدارس ألأولية، كانوا يحفِّظوننا نشيدا وطنيا حماسيا، لا أدري مَن أنشأه، وهو يقول:

بلادي، بلادي، فــداك دمي وهبت حياتي فدا، فاسلمي

غرامــك أول ما في الفؤاد ونجواك آخر مـا في فمي

وقد سمعتُ شيخنا الشيخ محمد الغزالي يعلِّق على هذا النشيد، وهذا البيت منه فيقول رحمه الله: فماذا بقي من فؤاد هذا القائل ومن فمه لله خالقه؟

(الوطنية) مشروعة ومطلوبة إذا لم تتَّجه هذا الاتجاه الغالي، فإن الغلو في كلِّ شيء يفسده، وقد رأينا الإسلام يحذِّر أشدَّ التحذير من الغلو في الدين. وكذلك الغلو في الوطن والوطنية.

ومما يذكر هنا أن أمير الشعراء أحمد شوقي برغم نزعته الإسلامية الواضحة، وبرغم قصيدته في نعي الخلافة الإسلامية حين أُلغيت، وهي من روائع الشعر، الذي أُوصي الشباب بحفظه[4]، أراه أحيانا يبالغ في الوطنية، مثل قوله:

وطني لو شغلتُ بالخلد عنه نازعتني إليه بالخلد نفسي!

وأشد منه قوله يخاطب أبنا مصر:

وَجهُ الكِنانَةِ لَيسَ يُغضِبُ رَبَّكُم أَن تَجعَلوهُ كَوَجهِهِ مَعبودا

وَلُّوا إِلَيهِ في النهار وُجوهَكُم وَإِذا فَرَغتُمُ وَاِعبُدوهُ هُجودا

بل رأينا بعض الغلاة من العرب يقدِّم الوطن على الدين بصراحة، lang= style=ويجعل كلمة الوطن هي العليا، وليست كلمة الله، ولا يبالي بما يؤمن به الناس من العقائد الدينية، ولا ما يحسُّون به من المشاعر الدينية. يقول

بلادك قدِّمها على كـلِّ ملَّـة ومن أجلها أفطر، ومن أجلها صم!

هبوني دينا يمنح العرب وحدة وسيروا بجثماني على دين برهم!

سـلام على كفـر يوحِّد بيننا وأهـلا وسـهلا بعـده بجهنـم[5]!

4- عندما تتحوَّل الوطنية إلى عصبية جاهلية

وتحدث المشكلة كذلك عندما تتحوَّل النزعة الوطنية إلى عصبية جاهلية، يتجمَّع فيها أهل الوطن ضدَّ غيرهم، وينحازون فيها بعضهم لبعض، ينصر أخاه في الوطن ظالما أو مظلوما، ويستجيب له إذا دعاه في الحقِّ أو الباطل. على نحو ما قيل في وصف أحد زعماء قبائل العرب: إذا غضب، غضب له مائة ألف سيف، لا يسألونه فيم غضب؟!

وكما وصف أحد الشعراء أبناء قبيلته بقوله:

لا يسألون أخاهم حين يندُبهم في النائبات على ما قال برهانا

فالمصيبة: أن تعين أهلك وقومك على ظلم الآخرين، وأن تشهد لهم على الآخرين محقِّين كانوا أم مبطلين، وأن تقول ما قال أتباع المتنبئين الكذبة من قبائل العرب أيام حروب الردَّة: كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مُضَر.

هكذا تكون العصبية القومية، وكذلك تكون العصبية الوطنية، كما رأينا ذلك في النزعات النازية والفاشية في أوربا في أواسط القرن العشرين، من رفع شعارات: ألمانيا فوق الجميع، وإيطاليا فوق الجميع.

والإسلام يعلِّم المسلم: أن يدور مع الحقِّ حيث دار، وأن يقول الحقَّ وإن كان مرًّا، وأن يكون قوَّاما بالقسط شهيدا لله، ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، وكذلك لا يجرمه شنآن قوم على أن لا يعدل، بل يجب أن يقوم بالقسط مع مَن يحبُّ، ومع مَن يكره. فعدل الله لجميع عباد الله.

ومن هنا أنكر الإسلام العصبية بكلِّ أنواعها، سواء كانت عصبية قبلية، أم عصبية قومية، أم عصبية إقليمية، أم أي عصبية كانت.

روى الإمام مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن قاتل تحت راية عُمية، يغضب لعَصَبَة، أو يدعو إلى عَصَبَة، أو ينصر عَصَبَة، فقُتِل، فقِتلَته جاهلية"[6].


[1]- روى عبد الرزاق في أهل الكتاب (6/99)، عن زياد بن حُدير - وكان زياد يومئذ حيًّا - أن عمر بعثه مصدِّقا، فأمره: أن يأخذ من نصارى بني تغلب العشر، ومن نصارى العرب نصف العشر. وروى البيهقي في الكبرى كتاب السير (9/216)، عن عبادة بن النعمان التغلبي، أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب مَن قد علمتَ شوكتهم وإنهم بإزاء العدو، فإن ظاهروا عليك العدو اشتدَّت مؤنتهم، فإن رأيت أن تعطيهم شيئا. قال: فافعل. قال: فصالحهم على أن لا يغمسوا أحدا من أولادهم في النصرانية، وتضاعف عليهم الصدقة. قال: وكان عبادة يقول: قد فعلوا ولا عهد لهم. وانظر: أحاديث الباب في البيهقي، باب نصارى العرب تضعف عليهم الصدقة.

[2]- سبق تخريجه.

[3]- إشارة إلى حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6011)، ومسلم في البر والصلة والآداب (2586)، وأحمد في المسند (18373).

[4]- ومطلعها:

عادت أغاني العرس رجع نُواح ونعيتِ بين معالم الأفراح

كفنتِ في يوم الزفاف بثوبــه ودُفنتِ عند تبلُّج الإصباح

[5]- الأبيات للشاعر اللبناني رشيد سليم الخوري.

[6]- رواه مسلم في الإمارة (1848)، وأحمد في المسند (7944)، والنسائي في تحريم الدم (4114)، وابن ماجه في الفتن (3948)، عن أبي هريرة.