د. يوسف القرضاوي

إن الله يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء، القلوب ليست بأيدينا، القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن.

هنالك سنن تحكم الناس، هنالك أمور هي التي تتحكم في الناس، وقد رأينا أناسًا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، يتَّضح لهم الحق ومع هذا يكفرون، من بعد ما تبيَّن لهم الحق، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [النمل:14] ، بعد البيان يضلُّ الله مَنْ يشاء ويهدي من يشاء.

وقوله تعالى: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} فيها كلام كثير، لأنَّ بعض الناس يريد أن يجعل من مثل هذه الآيات دليلاً على الجبْر، دليلٌ على أن الإنسان مُسيَّر لا مُخيَّر، وأنه مجبورٌ لا مُختار، وأنَّ الله هو الذي يضل ويهدي وأن الهداية بيده!!!

مثل هذا الكلام ليس صحيحًا، إنَّما الهداية من الله، إنه يعطي نَفَحات لمن يشاء، ولكنه وضَّح للجميع الحق، وأقام الحُجَّة، وأبْطَلَ التَّعِلاتَّ والأعذار، ليس لأحد أن يقول: أنا لم أعرف الحقيقة، لا، بل عرفت وكل شيء كان أمامك، كل شيء كان واضحًا. ما الذي منعك من الإيمان كما قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} ؟! [الانشقاق:20 -21] ، {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} ؟!! [النساء:39] ، {وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ؟!! [الحديد:8] الأمور واضحة.

فقوله تعالى: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ليست معناها: أنَّ الأمر فيه جَبْر أو اختيار، بل الأمر مَوْكولٌ إلى إرادة الإنسان واختياره: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام:104]، {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسراء:15]، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46].

الإضْلال والهداية بحَسَب ما في النفوس كما قال تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة:26 - 27]، {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد:27]، {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى:13].

هنالك إذن استعدادات في النفوس تأتي الهداية والإضلال بحسبها: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}.

مناقشة أحد المفسِّرين المعاصرين في إرجاع ضمير الضلال والهداية إلى كلمة (مَنْ):

وهنا ملاحظة كان ذكرها أحد المفسِّرين في العصر الحديث، وهو الأستاذ: عبد الحميد الخطيب[1]، وكان سفير المملكة العربية السعودية في باكستان وبنجلادش وله تفسير، (تفسير الخطيب المكي) هذا التفسير قال فيه: {يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} مَنْ يشاء الضلالة يضلُّه، ومَنْ يشاء الهداية يَهْديه.

فجعل يشاء هنا ليست مرجع الضمير إلى الله، ولكن مرجع الضمير إلى كلمة (مَنْ)، مَنْ شاء الضلالة أضلَّه الله، ومَنْ شاء الهداية هَدَاه الله، وبعض الناس أيَّده في هذا، وأنا أرى أنَّ هذا ليس هو المُتَبَادَر من الآية، لأن كلمة: { مَنْ يَشَاءُ} ذُكرت في آيات كثيرة جدًّا: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:212]، {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ} [العنكبوت:21]، {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران:129].

ذُكرت (مَنْ يشاء) في القرآن الكريم مرَّات عديدة أكثر من مائة مرة كلها ترجع إلى الله عزَّ وجل، فلماذا كلمة:{يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ}، هنا نستثنيها، ونقول: {مَنْ يَشَاءُ} أي: الإنسان، فماذا تفعل في قوله تعالى:{إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ} [الأعراف: 155]؟ الخطاب هنا لا يُوجد فيه: {مَنْ يَشَاءُ}.

فالذي يشاء هو الله عزَّ وجل، {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ}، أي: الله يُضِلُّ مَنْ يشاء له الضلالة، {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} أي: له الهداية، ولكن الهداية والضلالة تأتي وَفْق سُنن الله.

فهذا الكونُ كلُّه بما فيه الإنسان، تحكمه سننٌ وقوانين كونيَّة واجتماعيَّة لا تَتَبدَّل ولا تَتَحوَّل، {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر:43].

{هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[2]

سرُّ اقْتران العِزَّة بالحكمة:

العزيز: القويُّ الغالب المنيع الذي لا يُغْلَب، ولا يعجزه شيء ولا يقهره شيء، بل هو الواحد القهَّار، هو الغالبُ دائمًا، هو القادرُ دائمًا، هو العزيزُ، وهو الحكيم.

كثيرًا ما يُذكر مع العزَّة الحكمة، قُرِنَت الحكمة بالعزَّة في القرآن في آيات كثيرة: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:220]، {هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 6] {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}[النساء: 158].

الحكيم: هو الذي يضع كلَّ شيء في مَوْضعه، ليس هنالك خَلَل، الحكمة الإلهيَّة وَضَعت كلَّ شيء بمقدار: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8]. {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان:2]. كل شيء بقَدَر موزون، {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ}[الحجر: 19] حتى النبات موزون، علماء البيولوجيا والنبات يقولون: موزون ليس الميزان المعنوي فقط، بل هو ميزانٌ حقيقيٌّ يمكن بالمليجرام، وما هو أدق من المليجرام..

كلُّ شيء موزون، فالله سبحانه وتعالى هو الحكيم: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة:269]، هو الذي آتى آدمَ الحكمة، هو الذي آتى داود الحكمة، هو الذي آتى الأنبياء الحكمة، هو صاحب الحكمة، وهو الحكيم بكلِّ شيء، لم يَخْلُق شيئًا باطلاً، ولم يَشْرَع شيئًا عَبَثًا، كما قال أُولوا الألباب: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}[آل عمران:191].

..................

[1] هو عبد الحميد بن أحمد الخطيب، ولد بمكة المكرمة في 1318 هـ. وتلقى علومه على يد كبار علماء المسجد الحرام، وأجيز مدرسًا بالمسجد الحرام، ثم عُيِّن عضوًا في مجلس الشورى من 1355 هـ إلى عام 1366 هـ، ثم عُيِّن سفيرًا لدى دولة باكستان، وانتقل بعدها إلى دمشق واتخذها مقرًا له، وتوفي فجر الثلاثاء 18 ربيع الأول 1381 هـ. له (تفسير الخطيب المكي) في أربعة أجزاء، طبع في القاهرة في مطبعة البابي الحلبي ما بين سنتي (1947و1952) ثم طبع في دار الفكر بدمشق سنة 1961. وللشيخ محمد حمدي الجويجاني ردٌّ عليه سمّاه: (الإصابة في الرد على ما جاء في تفسير الخطيب المكي السعودي).

[2] ختم الله تعالى الآية بقوله: (وهو العغزيز الحكيم) لبيان أن الكفار مهما يكن سلطانهم وقوتهم، وحسبانهم أنهم من يُغلبوا، فالله تعالى هو واهب العزة، وهو العزيز الذي يذلهم، وهو الحكيم الذي يدبر الأمور بحكمته وبعلمه، فهو يمهل الكافرين ويملي لهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر( زهرة التفاسير 3988:8).