في يوم 27-12-1977م ودعت مصر في هدوء: الداعية الإسلامي الكبير أستاذنا البهي الخولي رحمه الله  وغفر له، وقد سبق لي الحديث عنه في الأجزاء الماضية من هذه السيرة، ولا سيما في الجزء الأول.

كان الأستاذ البهي الخولي زميلا للإمام حسن البنا في دار العلوم، وكان معجبا به كل الإعجاب، فلما قام البنا بدعوته كان البهي من المسارعين للإجابة.

«تذكرة الدعاة» ومقدمة البنا له

وكان ممن تنبَّهُوا مبكرًا للكتابة في مفهوم الدعوة وغاياتها وأساليبها، وما يجب أن يكون عليه الداعية، فكتب كتابه الأول الذي لم يسبق أحد إلى مثله في التأصيل والتفصيل والتدليل، مع عمق الفكرة ووضوحها، كتبه بأسلوب أدبي رائع. ذلكم هو كتابه الشهير «تذكرة الدعاة» الذي كتب له الإمام الشهيد مقدمة موجزة مركزة، قال فيها:

الله أكبر والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أفضل الداعين إليه على بصيرة، والمجاهدين فيه بإحسان، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

وبعد: فقد طالعت هذه التوجيهات بل المحاضرات في أساليب الدعوة وتكوين الدعاة، فأعجبت بها، وهششت لها، وشممت فيها بوارق الإخلاص والتوفيق إن شاء الله، ودعوت الله تعالى أن يجعلها نافعة لعبده، موجهة لقلوب الناطقين بكلمته والهاتفين بدعوته.

وليس ذلك غريبًا على كاتبها وملقيها الأخ الداعية المجاهد الأستاذ البهي الخولي، فهو بحمد الله صافي الذهن، دقيق الفهم، مشرق النفس، قوي الإيمان، عميق اليقين، أحسن الله مثوبته، وأجزل مكافأته، وبوأنا وإياه منازل من أحب من عباده، فرضي عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون. آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

وهو الكتاب الوحيد - بعد رسائل الإمام الشهيد - الذي تفرد في تلك الفترة بأن يكتب عليه: من رسائل الإخوان المسلمين. أي: إن قيادة الحركة تبنته ضمن مناهجها المعتمدة.

تأملاته القرآنية العميقة

وكان الأستاذ البهي وثيق الصلة بالقرآن الكريم، له فيه تأملاته وتأويلاته الخاصة، وتفسيراته العميقة، بعضها ضمَّنه بعض كتبه المنشورة، وبعضها لعله لا يزال في أوراق منثورة في أضابيره. وكان مما أصدره من ذلك: كتابه «آدم عليه السلام». وكان له اهتمام قديم بالجانب الاقتصادي في الإسلام، ونظرة الإسلام المتوازنة إليه، وقد تمثل ذلك في عدة كتب: «الثروة في ظل الإسلام»، و«الإسلام لا شيوعية ولا رأسمالية: العمل والعمال»، و«الاشتراكية بين النظرية والتطبيق».

اهتمامه بالجانب الروحي وتحريره باب «مع العارفين»

وكان له اهتمام بالجانب الرباني أو الجانب الروحي - أو ما سماه في تذكرة الدعاة «الروحانية الاجتماعية» - وله في هذا باع أي باع. ومن أجله اهتم بسير الصالحين، وكان يحرِّر في مجلة «المسلمون» التي أصدرها تلميذه. د. سعيد رمضان: باب «مع العارفين» كتب فيه عن «الإمام الممتحن أحمد بن حنبل» كتابة متميزة، وكتب عن بعض الشخصيات الأخرى من السلف، ثم توقف واستمر الباب. ولم يكتب اسمه تحت هذا الباب، وقد نشر بعض ما كتبه ولم يُنْسب إليه.

وهكذا كان منهج شيخنا البهي في الدعوة: منهجًا متوازنًا، يقوم على القرآن، ولكنه لا يغفل السنة، ويعني بالجانب الروي أو الإيماني، ولكنه لا يسرف فيه حتى يصير رهبانية، بل يريدها كما قال الشيخ الندوي: ربانية لا رهبانية. وهي التي سماها «الروحانية الاجتماعية» ولا غرو أن انعقدت بينه وبين أبي الحسن الندوي مودة عميقة. وكان له نظرات في الفقه وفي الاقتصاد، تنبئ عن فهم متميز، وأصالة في النظر، وعن شخصية مستقلة لها رؤيتها واجتهادها.

عمله في النظام الخاص

ولم يكتف بالعمل العام في الدعوة، حتى كان رئيسًا للمكتب الإداري للإخوان في مديرية «محافظة» الغربية، قبل أن ينقل إلى القاهرة، بل ضمَّ إلى ذلك العمل في «النظام الخاص» أو ما سموه بعد ذلك «الجهاز السري» للإخوان، فكان هو المسئول عن هذا النظام في الغربية: يبايعه من يبايع من أفراد الجماعة - الذين يقبلون الانضمام إلى هذا النظام - على المصحف والمسدس، كما ذُكِر في التحقيقات بعد ذلك. وإن كانت المحكمة قد حكمت له بالبراءة.

كتيبة الذبيح

ولقد كنا تلاميذه المقرّبين في طنطا: انا والعسال والدمرداش والصفطاوي والديب والحشاش وعبد المنعم البدراوي، وغيرهم، ولكنه لم يعرض علينا يوما الالتحاق بهذا النظام، وكأنه اكتفى بـ «كتيبة الذبيح» التي نتربى فيها على البذل والتضحية في سبيل الله، ولو قدم المؤمن رقبته طاعة لله، كما فعل الذبيح إسماعيل عليه السلام، حين قال له أبوه: {يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الصافات: 102].

وقد حلَّت حكومة النقراشي جماعة الإخوان، بدعاوى لا تبلغ أن تكون سببا لضرب هذه الجماعة وتمزيقها، والحكم عليها بالإعدام. وقد رد الأستاذ البنا بنفسه على دعاوى الحكومة، كما أشرنا إلى ذلك في الجزء الأول. وقد تبيَّن أن هذا كان استجابة لطلبات سفراء إنجلترا وأمريكا وفرنسا، الذين اجتمعوا في «فايد» بمنقطة القناة، وقد تسبب هذا في اعتقال أعداد كبيرة من الإخوان تجمعوا في النهاية في معتقل الطور.

اختيار البهي أميرًا على الإخوان في معتقل الطور

وفي تربية الإخوان: أن يؤمِّروا في أي تجمع واحدًا منهم، كما هو أمر الحديث النبوي: «إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمِّروا أحدكم»(1). فوقع إجماعهم على اختيار الأستاذ البهي الخولي أميرًا عليهم في المعتقل، وذلك لما يرى الإخوان من علمه وفضله وسابقته في الدعوة، وقربه من الإمام الشهيد. وظل هكذا، حتى طلب في قضية من قضايا التنظيم الخاص، حيث تردَّد اسمه في التحقيق، فاختار الإخوة من بعده الشيخ محمد الغزالي أميرًا عليهم.

كتاب «المرأة بين البيت والمجتمع»

وفي عهد المرشد الثاني الأستاذ حسن الهضيبي، كان موضع ثقته من الناحية العلمية، وكلفه كتابة كتاب عن المرأة بين حقوقها وواجباتها، في ضوء الشريعة الإسلامية، ونهض بذلك، وكتب كتابه الموفق «المرأة بين البيت والمجتمع» الذي عكس نظرة وسطية بين الغلاة والمفرطين في قضية المرأة، ثم طوِّره بعد ذلك إلى كتاب «الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة».

وظلت العلاقات بينه وبين الأستاذ الهضيبي طيبة، حتى قامت ثورة يوليو، وكان التعاون بينها وبين الإخوان ملحوظًا، ثم حدث الخلاف، ودخل الباقوري الوزارة مع الثورة، على خلاف رأي الإخوان، فطلبوا إليه أن يستقيل من الجماعة فاستقال، ليتحمَّل هو مسئولية اختياره، واختار فريقًا من الإخوان للعمل معه، كان منهم الأستاذ ابهي الخولي، والشيخ الغزالي، والشيخ سيد سابق. رحمهم الله جميعًا.

اختلاف أعضاء الهيئة التأسيسية

وحين اشتد الخلاف، واحتدم النزاع بين الثورة والإخوان: اختلف أعضاء الهيئة التأسيسية فيما بينهم، فكان منهم فريق على رأسهم الأستاذ البهي، يَرَوْنّ ضرورة الصلح مع عبد الناصر، وتفادي جرّ الجماعة إلى معركة غير متكافئة مع الثورة، تُجرُّ فيها للتهلكة بغير مبرر، وهؤلاء يحسنون الظن بعبد الناصر، ويرون أنهم إذا عقدوا عهدًا معه نفذه. وفريق آخر يمثل قيادة الإخوان، ويمثل الأكثرية منهم أيضًا: لا يثقون بعبد الناصر، ولا بتعهُّداته، وأنه لا يضمر خيرّا للجماعة، بل يتربَّص بها، ويريد أن يتخلص منها، ولهذا يريد ضرب بعضها ببعض فيكون بأسهم بينهم شديدا. ومن هنا يجب الوقوف ضد هذه الفتنة، ومساندة القيادة الشرعية فيما تؤمن به، وتحرص عليه.

ويبدو أن الأحداث بعد ذلك صدقت ما قاله هؤلاء، وأن رؤية الأستاذ الهضيبي كانت أصدق ... ولقد وقف الرجل - برغم كبر سنه - راسخ القدم، رافع الرأس، كأنه الطود الأشم. ولقد حوكم الأستاذ البهي وإخوانه من أعضاء مكتب الإرشاد، مثل الشيخ عبد المعز عبد الستار، وأرادوا بهذه المحاكمة أن تكون شهادة ضد المرشد وإخوانه. ولقد كتب مؤرخ الإخوان الأستاذ محمود عبد الحليم في كتابه: «الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ» عن هذه الخلافات والصراعات داخل الجماعة، وهو شاهد عيان، ومرضي عند الطرفين فليراجع، وقد نقلنا بعض كلامه في الجزء الثاني.

هذا الموقف من الأستاذ البهي الخولي، جعل كثيرين من الإخوان، يتخذون منه موقفًا سلبيًّا، وبخاصَّة الذين دخلوا السجن الحربي، ممن حوكموا، ومن لم يحاكموا، وهو موقف طبيعي بالنسبة للبشر، الذين لا يحبون من آذاهم، ولا من وقف مع من آذاهم.

إشاعة خلق العفو والصفح بين المؤمنين

ولكن من المفترض أن تهدأ النفوس بعد مدة من الزمن، ويعود الناس إلى جو التسامح وخلق العفو والصفح، كما قال يوسف لإخوته: {قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ} [يوسف: 92].

وقد قال الله تعالى في شأن من شاركوا في حديث الإفك، وقد حلف أبو بكر أن يحرم أحدهم وهو قريبه، مما كان يصله به من قبل: {وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} [النور: 22] وقال تعالى في شأن أهل الكتاب: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [المائدة: 13]. فأولى أن يكون الصفح والعفو بين المؤمنين بعضهم وبعض.

لقد ساءني أن مجلة «الدعوة» لسان حال الإخوان في مصر، حين انتقل الأستاذ البهي الخولي إلى رحمة الله، لم تعره أي التفات، ولم تتحدث عنه بوصفه أحد رجال الدعوة الذين عاشوا عمرهم لها، وتركوا آثارا فيها. وكان يمكن أن تشير إلى الخلاف الذي وقع، وتقول رأيها في تخطئة الأستاذ البهي ومجموعته، ثم تقول: ولكنه الآن أفضى إلى ما قدم، وهو موكول إلى نيته، وإنما لكل امرئ ما نوى

كلمة منصفة عن الخلاف داخل الإخوان

وهنا لا بد لي من كلمة منصفة عن الخلاف داخل الإخوان، وأعتقد أنه ينطبق على كل الجماعات. والإخوان شأنهم شأن الجماهير دائمًا، تسرف في الحب، وتسرف في البغض ... من أحبته ارتفعت به إلى أعلى عليين، ومن أبغضته نزلت به إلى أسفل سافلين. وفي هذه الحالة تنسى سوابقه، وتلغي مآثره، ولا يذكر عنه إلا الجانب المظلم. هذا مع أن القرآن يعلمنا أن نعدل مع من نكره، كما نعدل مع من نحب، لا يمنعنا شنآن قوم «شدة بغضهم لنا أو بغضنا لهم» أن نعطيهم حقهم، كما قال تعالى: {وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَ‍َٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰ} [المائدة: 8] ومن العدل أن تذكر للخصم حسناته، كما تذكر سيئاته.

كما يعلمنا الإسلام: أن نتعامل مع أهل الإيمان بحسن الظن، وأن يحمل حال المسلم على أحسن حال، ونلتمس له العذر ما استطعنا، فالمؤمن أبدا يلتمس المعاذير، والمنافق يتطلب العيوب والعثرات. وقد قالت تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞ} [الحجرات: 12]، وقال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»(2).

سوابق الخير

أضف إلى ذلك: أن من آداب الإسلام: ألا ينسى المسلمون لمن أخطأ في حقهم: سوابقه الخيرة، ومواقفه الطيبة، التي حفل بها سجله، فربما كانت ا لسوابق شافعة له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم  لعمر بن الخطاب، وقد قال عن حاطب بن أبي بلتعة: دعني يا رسول الله، أضرب عنق هذا المنافق! وقد حاول أن يفشي سر رسول الله إلى أهل مكة، ويخبرهم بقدوم جيشه عليهم، والرسول حريص على أن يفاجئهم، فيجبرهم على التسليم بلا قتال أو بأقل الخسائر الممكنة، فعمله مما يمكن أن يعد اليوم في أعمال الخيانة العظمى، ومع هذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم  لعمر: «ما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم»(3)!  كما أن من روائع هذا الدين: أنه يقدر ضعف الإنسان، وأن كل بني آدم خطاء، وأن من أخطاء الإنسان ما لا يعاقب عليه، بل يؤجر أجرًا واحدًا إذا صدر عن اجتهاد وتحرِّ للحق، فإن أصاب الحق فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.

هذه مبادئ مهمة في التربية الأخلاقية الإسلامية، ولكن الإخوة كثيرًا ما يغفلونها، نتيجةً لغلبة الغضب عليهم، أو إساءة الظن بمن يخاصمونه واتهامه في سريرته ونيته، ونحن لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس، بل لنا الظاهر، والله يتولى السرائر. {رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].

................

(1) رواه الطبراني في «الكبير» (9/185) عن ابن مسعود.

(2) متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6066)، ومسلم في البر والصلة (2563) عن أبي هريرة.

(3) متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (3007)، ومسلم في فضائل الصحابة (2494) عن علي.