عصام تليمة

من أهم ما يميز القرضاوي أنه عالم معتدل، لا يجنح إلى الغلو، ولا يميل إلى التسيب، لا إفراط ولا تفريط، لا عنف ولا ميوعة، فهو وسطي في فكره وفقهه، وممارساته، ولذا رأينا بعض كتبه تدل من عناوينها على ذلك، فمنها: (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) و(الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط)، وكل هذه البينيات في كتبه تدل على أن موقفه وسط بين موقفين، أقصى اليمين، أو أقصى اليسار، وليس معنى الوسطية عند القرضاوي الإمساك بالعصا من المنتصف، بل الموقف المبني على الدليل، وكلما كانت لديه فرصة للميل للتيسير يسر على الناس.

منذ الحرام والحلال

اتخذ القرضاوي منهج التيسير وعدم التشدد منذ أول كتاب ألفه، فمنذ كتابه الحلال والحرام في الإسلام، ومنهجه عرف بالميل إلى التيسير، وإن هاجمه المتشددون فيما بعد، وأطلقوا على كتابه: الحلال والحلال في الإسلام، واتهموه أنه لم يحرم شيئا، فكان يرد عليهم بقوله: بل عليهم أن يكتبوا هم كتابا يسمونه: الحرام والحرام في الإسلام، لأنهم لا يحلون شيئا، وإن وجد عليه الدليل. لقي القرضاوي هجوما شديدا على كتابه، وعلى منهجه، طوال حياته العلمية، ولم يثنه ذلك عن الاستمرار في منهجه، وأثبتت الأيام حسن مسلكه، وقوة ومتانة فقهه وفكره.

ووقف القرضاوي بالمرصاد لكل ظواهر التشدد والتطرف في عالمنا الإسلامي، لأنه يرى هذه الظاهرة تضر بالإسلام والمسلمين، فعندما أطلت فتنة التكفير برأسها على الشباب المسلم في فترة السبعينيات من القرن الماضي، كتب كتابه: (ظاهرة الغلو في التكفير)، يرفض هذا المنهج، ويبين أنه يخالف منهج الإسلام الذي يقوم على عدم تكفير الناس، أو الانشغال بالحكم عليهم، وانتشرت رسالته تلك انتشارا كبيرا، حتى قام اتحاد طلاب جامعة القاهرة في هذه الفترة بطبع آلاف النسخ من الكتاب، ليواجهوا به هذه الموجة الشديدة من التكفير.

وعندما بدأت ظاهرة اختطاف الطائرات المدنية، والتهديد باحتجاز ركابها رهائن للضغط على بعض الحكومات، رفض هذا السلوك، وكتب فتوى مفصلة، وبين أنه عمل غير مشروع شرعا، فإرهاب الناس وترويع الآمنين أمر يرفضه الشرع ويحرمه، مهما كانت نية الخاطفين، ومهما كانت دوافعهم.

وعندما حدثت مذبحة الأقصر في مصر، التي قتل فيها عدد كبير من السياح، قارب مئة شخص، وقف القرضاوي على منبر مسجد عمر بن الخطاب في قطر، يندد بالفعل، ويرفضه، ويبين مخالفته منهج الإسلام، وخطأ من قاموا بذلك، حتى أخبرنا وقتها الأستاذ أحمد فراج رحمه الله، الإعلامي المصري الكبير المعروف، أن وزير الإعلام المصري صفوت الشريف، قال له: لقد خطب القرضاوي خطبة، لو عُرضت علي بمليون جنيه أشتريها لأبثها في التلفزيون المصري ليل نهار، فقال له أحمد فراج: إن القرضاوي يرحب بذلك، ويمكننا أن نستضيفه للحديث عن هذا الأمر، فرد الشريف قائلا: وهل نضمنه في غير هذا الكلام؟ يقصد أن القرضاوي سيتحدث عن مذبحة الأقصر، وسيتحدث عن مذبحة الأقصى كذلك، وهو ما لا يحبه النظام المصري.

وعندما تم استهداف البرجين الأمريكيين في أحداث سبتمبر، كان أول صوت يرفض هذا الفعل، هو القرضاوي، في برنامجه الشريعة والحياة في الجزيرة، وفي بيان أصدره، ودعا المسلمين الأمريكان للذهاب للتبرع بالدم للجرحى. رغم رفضه عدوان أمريكا على العراق وغيرها.

موسوعته الكبرى

ثم عكف القرضاوي على كتابة موسوعته الكبرى والمهمة: (فقه الجهاد) في مجلدين كبيرين، عندما شاع عن الإسلام أنه دين العنف، فكتب صفحات مطولات اقتربت من الألف وخمسمئة صفحة، ينفي العنف والتطرف عن الإسلام، ويرد على الشبهات المثارة، وعلى الأفكار التي تجر الشباب المسلم للعنف، مبينا منهج الإسلام الوسطي، الذي ظل القرضاوي يدعو إليه ما يقرب من ثلاثة أرباع قرن من الزمان.

لقد شهد أهل العلم والفكر في العالم العربي والغربي من الراصدين لفكر القرضاوي، بأنه نموذج ورمز للوسطية والاعتدال، لا يخالف في ذلك إلا بعض الكتاب الذين يلوون أعناق الحقائق، لموقف القرضاوي من القضايا العادلة التي لا يحبون حديثها عنها، كقضية فلسطين، وقضية الانقلاب العسكري في مصر، والظلم والاستبداد في بلاد عربية، لأن صوته الأعلى بين العلماء، فيزعجهم كلامه، ولذا ليس لديهم من حيلة إلا إلصاق التهم به بالباطل، لعلهم بذلك يفتون في عضده، أو يقللون من حجم تأثيره، ودوما يعودون بخفي حنين، يجرون أذيال الخيبة، والخسران.

المحاولات البائسة

محاولاتهم البائسة لا تنتهي، فتارة يقتطعون كلاما له عن سياقه، وتارة يفبركون كلاما لم يقله، وتارة يحرفون كلامه عن معناه، وتارة يتهمونه بأنه رجل سلطة، ينافق البلد الذي يقيم فيه، ويحمل جنسيته (قطر)، رغم أنه انتقد على منبر عمر بن الخطاب زيارة رابين لقطر منذ سنوات، ولم تضق السلطة الحاكمة في قطر بذلك، وانتقد أمورا كثيرة في بلاد خليجية، كانت تربطه صداقة بحكامها، كالملك عبد الله ملك السعودية الراحل، ورغم ما يعلمه القرضاوي من ضريبة، يدفعها هو وأهل بيته، جراء مواقفه الوسطية الجريئة.

وسطية القرضاوي صنعتها عوامل عدة، نوجزها فيما يلي:

1-عامل الدين: فالدين الإسلامي روحه الوسطية كما عبر عنها القرآن في قوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) فالقرآن يدعونا إلى هذه الوسطية، حيث يقول تعالى: (ألا تطغوا في الميزان و أقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان)، الطغيان في الميزان: الزيادة عن الحد، والإخسار: نقصه عن المطلوب، لا إفراط ولا تفريط. هذا هو المنهج الصحيح. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ويروي عنه ابن مسعود رضي الله عنه (هلك المتنطعون ثلاثا) والمتنطعون: المتشددون المغالون في الدين الذين يكلفون الناس فوق طاقتهم، والدين يسر لا عسر.

2-عامل شخصي: وهناك عامل ينبع من شخص الشيخ نفسه، فهو يميل إلى الاعتدال ويرفض العنف والتشدد بفطرته، يقول الشيخ عن نفسه: إنني شخصيا ممن وهبهم الله فطرة الاعتدال والتوازن في النظر إلى الأمور، فأحب دائما ألا أكون من المغالين إلى اليمين ولا إلى المتطرفين إلى اليسار، وهي موهبة إلهية. وبعض الناس يميل إلى التحلل والتسيب، وأنا أجد نفسي دائما في الموقف الوسط.

3ـ عامل بيئي: فالقرضاوي نشأ في بينة وسطية لا تميل للتطرف ولا العنف، بداية من بيئته الأسرية التي تربى فيها، مرورا بالأزهر الشريف وهو المحضن العلمي الذي نشأ فيه، وتأثر بكثير من علمائه، من وسطيي الفكر والفقه، من أمثال: محمد عبد الله دراز، ومحمد أبو زهرة، عبد الحليم محمود، ومحمد يوسف موسى، والبهي الخولي، ومحمود شلتوت. وغيرهم.

4-التعمق في الفقه المذهبي: وأثر أيضا في تكوين عقلية الشيخ الوسطية؛ كثرة تعمقه واطلاعه على فقه المذاهب، فهو يدرس ويقرأ في المسألة الواحدة أكثر من رأي، وهذا يعود عقلية الفقيه على اتساع الأفق، وإعذار كل صاحب رأي مخالف، فلا يجعله يميل لمصادرة رأي يخالفه، أو إلغائه.

وقد كافأته دول عدة على وسطيته، ورفضه للتطرف والعنف والتشدد، كانت أولهم: المملكة العربية السعودية، بجائزة الملك فيصل، ثم دولة الإمارات، بجائزة: الشخصية الإسلامية لعام 2000م، ومصر ما بعد ثورة يناير بعضوية هيئة كبار العلماء التي استقال منها بعد الانقلاب العسكري، وجائزة العويس، وجائزة سلطنة بروناي، ودول أخرى، وجوائز أخرى كبرى، كلها تكريما لمنهجه الوسطي، ولفكره المعتدل.

................

عن موقع الجزيرة مباشر، 18-10-2019